إعلان - Advertisement

سبعون ألف لعنة على ليلة ولادتي بقلم: نور الهدى خليل

سبعون ألف لعنة على تلك الليلة التي أُشعل فيها أول ضوء في عيني، وعلى تلك اللحظة التي ظنّوا فيها أن قدومي إلى العالم كان بدايةً جميلة.

لم أكن أعرف يومها أن الولادة ليست دائمًا بداية حياة،
وأن الإنسان قد يولد مرةً من رحم أمه،
ثم يقضي عمره كله يحاول أن يولد من جديد… من نفسه.

قالوا:

  • «جاء طفل إلى الدنيا».

ولم يقولوا إن الدنيا كانت تنتظره بكل هذا التعب.

لم يسألني أحد إن كنت أريد أن أكون هنا.
لم يمنحوني ورقةً أقرأ فيها شروط الحياة قبل أن أوقّع عليها.
لم يخبروني أنني سأكبر،
وسأفقد أشخاصًا أحبهم،
وسأخذل وأُخذل،
وسأحمل أشياء لا يعرف أحد ثقلها،
وسأبتسم أحيانًا فقط كي لا يكتشف الآخرون أنني أتداعى.

كبرت.

وفي كل عام كان الجميع يحتفلون بنجاتي من عامٍ آخر،
بينما كنت أتساءل بصمت:

  • هل هذه هي الحياة فعلًا؟
  • أن نعدّ السنوات بدل أن نعيشها؟

في طفولتي، كنت أظن أن الكبار يعرفون كل شيء.
ثم كبرت، واكتشفت أن معظمهم يمشون في الظلام مثلنا،
لكنهم أتقنوا إخفاء خوفهم.

اكتشفت أن بعض الوجوه التي نحبها تصبح يومًا غرباء،
وأن بعض الوعود لا تصل إلى نهايتها،
وأن القلب يمكن أن يمتلئ بالبشر…
ومع ذلك يشعر بوحدة لا يفسرها أحد.

سبعون ألف لعنة على ليلة ولادتي،
ليس لأنني أكره الحياة،
بل لأنني عرفت متأخرًا كم يمكن للحياة أن تكون قاسية.

لعنة على أول مرة فهمت فيها معنى الفقد.
لعنة على أول خيبة جعلتني أكبر قبل أواني.
لعنة على كل مرة ابتلعت فيها كلامي حتى لا أخسر أحدًا.
لعنة على كل مرة قلت فيها «أنا بخير».
بينما كنت أبحث في داخلي عن شيء ينقذني من نفسي.

لكن الغريب…

أنني، رغم كل ذلك، ما زلت هنا.

ربما هذه هي المفارقة التي لم أفهمها طوال الوقت:

قد نلعن اليوم الذي جئنا فيه إلى العالم،
ثم نتشبث بالحياة في أصغر تفاصيلها.

نفرح برسالة من شخص نحبه.
نضحك على موقف سخيف.
نشعر بالدفء عندما تحتضننا يدٌ صادقة.
نرى غروبًا جميلًا فننسى للحظة كل ما يؤلمنا.

وربما لا تكون المشكلة في أننا وُلدنا،
بل في أننا انتظرنا من الحياة أن تكون كما تخيلناها.

الحياة لم تعدنا بالعدل.
لم تعدنا بأن الذين نحبهم سيبقون.
لم تعدنا بأن أحلامنا ستتحقق في الوقت الذي نريده.

ومع ذلك…
نستمر.

نمضي في الصباحات الثقيلة،
نرتب وجوهنا أمام المرآة،
نرتدي ملابسنا،
نخرج إلى العالم،
ونتصرف كأن قلوبنا لا تحمل مقابر كاملة لأشياء انتهت.

لذلك، ربما لا ألعن ليلة ولادتي حقًا.

ربما ألعن كل شيء جعلني أكره وجودي للحظات،
كل يدٍ كسرت شيئًا جميلًا في داخلي،
كل كلمةٍ بقيت في رأسي سنوات،
كل بابٍ أُغلق في وجهي،
وكل مرة اضطررت فيها إلى أن أكون قويًا وأنا لم أكن أريد سوى أن أرتاح.

أما تلك الليلة…

تلك الليلة التي بدأت فيها حكايتي،
فربما لم تكن لعنة.

ربما كانت مجرد صفحة أولى
في كتاب لم أقرأ فصوله بعد.

وما دمت ما زلت أتنفس،
فهذا يعني أن الصفحة الأخيرة لم تُكتب.

وربما…

يأتي يومٌ أنظر فيه إلى كل هذا الألم

وأقول:

لم تكن ولادتي هي الخطأ…
كان الخطأ أنني ظننت أن قصتي ستنتهي عند أكثر صفحاتها ظلامًا.

هل أعجبك محتوانا؟ أضف برو عرب إلى مصادرك المفضلة في جوجل لتصلك منشوراتنا مباشرة في نتائج البحث.

أضفنا كمصدر مفضل على Google

هل كان المحتوى مفيداً؟

نعم
لا
شكراً لملاحظاتك.

إعلان - Advertisement

نور الهدى خليل

كاتبة شغوفة بالكلمة والأفكار التي تلامس الإنسان من الداخل. أكتب بأسلوب بسيط وعميق، وأهتم بالمواضيع النفسية والاجتماعية وتفاصيل الحياة التي نعيشها ولا نجد دائمًا الكلمات المناسبة للتعبير عنها. أؤمن أن المقال الجيد لا يكتفي بأن يُقرأ، بل يترك سؤالًا أو شعورًا يبقى مع القارئ بعد انتهائه.