إعلان - Advertisement

سوريا بين المواكب والخيام

لم تخرج الثورة السورية لتبديل وجوهٍ بوجوه، أو مواكبٍ بمواكب، خرجت ليكون المسؤول موظفاً وخادماً لوطنه لا سيداً، فهل يعقل أن تمرّ سياراتكم الحديثة أمام خيامٍ لا تقي أهلها حرّاً ولا برداً؟

سوريا بين المواكب والخيام

منذ قرون مضت رجلٌ جاء من بلاد كسرى، يتوقع أن يرى قصراً عظيماً وحرساً مصطفّين وساحة مليئة بالمظاهر، بحث عن عمر بن الخطاب فلم يجد بوابة ضخمة ولا رجالاً يمنعون الناس من الاقتراب، رأى رجلاً يجلس تحت شجرة بين أصحابه، لا يختلف عنهم في لباسه ولا في جلسته، سألهم: أيّكم عمر؟ قالوا: هذا هو عمر، عندها فهم أن القوة ليست في الاستعراض، وأن مكانة الحاكم لا تُقاس بعدله وقربه من الناس.

اليوم، وبعد سقوط النظام وتغيّر الأسماء في الوزارات والمناصب، نرى مواكب طويلة عريضة تجوب الشوارع، سيارات حديثة تلمع، صفوف متتابعة تسير خلف مسؤول واحد، مشهد يستهلك المال والوقت في بلد ما زال مثقلاً بالجراح.

والمفارقة المُرّة أن معظم من يركبون هذه المواكب الطويلة، والسيارات الحديثة التي تلمع في الشوارع، هم أنفسهم من خرجوا يوماً من رحم تلك المخيمات.. أين أنتم اليوم عمن شاركوكم وجع الأيام؟ أين أنتم عمن وقفوا معكم تحت قصف النظام الهارب، وتجرعوا معكم مرارة الغارات الروسية، وصمدوا في جبهات الرباط حين كان الموت يحيط بالجميع؟

أنتم مسلمون فماذا تعلّمتم من عمر؟

نحن مع هذه الدولة، ونريد لها أن تنجح وتثبت نفسها وتبني مستقبلاً سورياً مختلفاً، نقف معها لأننا نؤمن بأن البلد يستحق فرصة حقيقية بعد كل ما مرّ به.

لكن المشاهد التي نراها اليوم لا يمكن السكوت عنها، النقد هنا ليس خصومة، بل خوف على الدولة نفسها، على الحلم الذي خرج الناس من أجله.

  • هل خرج الناس في الثورة السورية ليشاهدوا مواكب جديدة بدل القديمة؟
  • هل تغيّر المشهد أم تغيّرت الوجوه فقط؟
  • حين تسير عشرات السيارات الفاخرة خلف شخص واحد، وكل سيارة يتجاوز سعرها عشرة آلاف دولار، كم أسرة كان يمكن مساعدتها بالمال لشراء كونتينر او منزل صغير، أو حتى احتياجاتها الأساسية أو العلاج والطعام؟

كم عائلة يمكن أن تخرج من البرد والطين إلى جدار يحميها وسقف يظلّلها بأسعار هذه السيارات الفارهة؟؟

لماذا لا يُباع جزء من هذه السيارات ويُشترى بثمنها بيوت صغيرة جاهزة، أو كونتينرات للنازحين؟

هناك منازل في القرى لا يتجاوز سعرها ثلاثة آلاف دولار، بينما عائلات كاملة ما زالت تعيش في خيام ممزقة، لو بيع عدد محدود من تلك السيارات، يمكن أن يُمنح لكل عائلة مبلغ لتبدأ حياة جديدة بعيداً عن المخيمات.

لماذا لا يتم بيع بعض هذه السيارات ومساعدة النازحين طبياً وإرسال معونات وطعام لهم؟
كم مريض في المخيمات ينتظر عملية بسيطة أو دواءً لا يتجاوز ثمنه جزءاً بسيطاً جداً من قيمة سيارة واحدة؟

كم طفل يعاني من البرد وسوء التغذية، وكم أمّ تؤجل علاجها لأنها لا تملك ثمن الكشف؟
ثمن عدة سيارات حديثة قد يموّل قوافل طبية متنقلة، ويؤمّن أدوية ويغطي تكاليف علاج عاجل، ويرسل شاحنات محمّلة بالمواد الغذائية الأساسية إلى العائلات التي تعيش على الحد الأدنى.

أليست الأولوية لإنقاذ إنسان قبل تلميع سيارات المواكب؟ أليس أولى أن يتحول ثمن هذا الحديد اللامع إلى دواء وغذاء ودفء لمن يموتون بصمت؟

لماذا تُصرف الأموال على معارض وفعاليات وواجهات لامعة، بينما الناس تبحث عن دفء وأمان؟

ما قيمة صورة جميلة لمدينة، إذا كانت آلاف العائلات ما زالت تنتظر بيتاً بسيطاً؟
ما معنى الحديث عن إعادة بناء الدولة، إذا كان البناء لا يبدأ بالإنسان أولاً؟

المسؤولية ليست موكباً يمرّ في الشارع، بل قراراً يخفف وجع الناس، والهيبة لا تُصنع بزجاج سيارات مفيم، بل بثقة شعب يرى أثر العدل في حياته اليومية.

فعلاً وإن سألوك عن العدل في بلاد المسلمين فقل مات عمر.

تم نسخ الرابط

هل كان المحتوى مفيداً؟

نعم
لا
شكراً لملاحظاتك.

إعلان - Advertisement

إسكندر علي

أنا كاتب أؤمن بقوة الكلمة وأهميتها في توصيل الأفكار، أسعى دائماً لتطوير أسلوبي وصياغة محتوى يترك أثراً في القارئ، وأرى الكتابة كوسيلة للتعبير عن الأفكار والمشاعر والتأثير بشكل إيجابي على الآخرين.
زر الذهاب إلى الأعلى