خاطرة سَلُمتِ الحياةُ يا سَندياني
سَلُمتِ الحياةُ يا سَندياني، “مُقتطفٌ من الذاكرةِ المُعلقةِ على حافةِ الرّحيلِ” بِصوتِ السَّنديانِ الرّاحل: حسام محمود لولك، أخي ومهجة الفؤادِ.
سَلُمتِ الحياةُ يا سَندياني – “طالَ الغيابُ ياعزيزُ الروح”
استفاقَت الروحُ على غيرِ مِيثاقٍ، خِفّةٌ مُربكةٌ غشَت كياني، كأنَّ الجسدَ نفضَ عنهُ ثِقلَ المَدى، وفي غَمرةِ هذا الطيرانِ الأوّل، انبعثَ الصّوتُ؛ حادّاً كصَليلٍ، ناقراً في عُمقِ سكوني، كأنّه مِعوَلٌ يهدمُ جدارَ الوَعي!!.
لم أجِدني إلا واقِفاً أمامَ مَهدِ النّواح، حيثُ انطلقَ الصّدى من حنجرةِ الأختِ الأولى، وقد وقفت نبضاتُ القلبِ المُعلَّقِ حينَ رأيتُها تهوي بجسدِها على الأرضِ، تضربُها بحرقةٍ لا تُبقي ولا تذَر، وذاك الشّرخُ يتّسعُ في روحي: لِمَ لا تسمعُني صرخاتي؟ لِمَ لا ترى خوفي؟!.
بدأت رحلةُ الروحِ بينَ الوجوهِ المألوفةِ، تنقّلتُ بينَ غُرفِ البيتِ في لَحظةٍ، وكأنّي طيرٌ عَبَرَ حدودَ الجغرافيا – هل حقاً رتّقت الحياة شروخ جسدي بجناحين؟ – وجدتُ وجهَ الأمّ المُتعَبِ يستمطرُ جواباً من صمتِ الوالدِ الثّقيل، كانت تستجديهِ وبعينيها سؤالاً واحداً: “هل نالَهُ سوء؟”… كلا يا أُمّاه، أنا هنا! بجوارِكِ، لا شيءَ يُصيبني سِوى صمتِكِ الذي صارَ يوجعُني.
ثمّ اهتزَّ البيتُ برعدِ الكلماتِ، بصرخةِ الوالدِ التي قطعت حبلَ التمنّي: “لقد ارتقى!”.
كلا يا أبي! لستُ أنا، فها أنا أقفُ قُربَك، أرجوكَ أن تُصدّقَ عَينيّ وتُكذّبَ نبأَ الغياب.
وفي زاويةِ البُكاءِ، رأيتُ الشقيقَ وقد خارت قُواه، يلطمُ الذاكرةَ بدموعٍ حارقةٍ وكلماتٍ ضائعةٍ، يا لَهذا الوجعِ الذي أهوى بي وبكم!.
ووصلَ النواحُ إلى الأختِ الثانية، فصوتُها يخترقُ الجُدرانَ، والناسُ يلتفّونَ حولَ صرخِها، أُناديها أن تسكُتَ، أن تُهدّئَ قلبَها، ولكنّ الهواءَ لم يعُد يحملُ صوتي، والأجسادَ لم تعُد تحسُّ بشَبَحي، حتى المدلّلُ الصغير، رأيتُ دمعَه يمزقُ براءةَ طفولتِه، يا روحي، أتصدّقون هذا الزّيفَ وأنا قائمٌ بينكم؟.
ثم كانت الفاجعةُ الكُبرى، التي قطعت حبلَ الشكّ بوترٍ من اليقين، المشهدُ الأخيرُ على عتبةِ المَشقى، حيثُ اصطفّت وجوهُهم خلفَ صندوقٍ، الصندوقُ يحملُ اسمي! اسمي الذي صارَ عنواناً للغيابِ الأزليّ….. صرتُ أضربُ الهواءَ بكفّي، أُنادي العقلَ أن يصحوَ من كابوسِه، وحينَ أُنزلَ التابوتُ، شعرتُ بالهدوءِ المُفاجئ.
هُناك، في القاعِ المُتجمّدِ، رأيتُني… جسدي صلبٌ كالثلجِ، وصدري فيه شقٌّ غائرٌ، لمستُه، فأدركتُ صلابةَ الغيابِ وعُمقَ الجرح، هُناك، عند ذاك الشقّ، كان اليقينُ: هذا أنا.
صحوةُ الذّكرى وجَرحُ الحاضر
ذاك الجرحُ، الذي صارَ شقّاً أبدياً في الصدرِ المُسجّى، لم يكُن نهايةَ القصّة، بل كانَ مَبعثَها، إنّهُ الماضي الذي يحفرُ وجعَهُ في اللحظةِ، ففي كلّ دمعةٍ سكبتها الأمُّ، وصرخةٍ أطلقها الأبُ، ينمو هذا الشقّ، يتّسعُ ليَصيرَ فضاءً للذّكرى.
واليوم، روحي تقفُ على عتبةِ هذا الحاضرِ الذي تعيشونَهُ، أنا جرحٌ نازفٌ لا يندمل، وكلّ ابتسامةٍ على شفاهِكم، وكلّ إنجازٍ تحقّقونَهُ، تُصاحبهُ وخزَةُ غيابي، وغداً، سيبقى هذا الألمُ عهدَنا الذي يرسمُ ملامحَ المُستقبلِ، شاهداً أنّ دمعةَ الفقدِ هي ذاتُها الوقودُ الذي يُضيءُ حياتَكم التي ستمضي دوني.
أدركتُ، حينها فقط، أنّ هذا الوجعَ الحيَّ الذي تركتهُ في قلوبِكم، هو دليلُ صدقي، وأنني أنا… الراحلُ الذي لم يرحلْ.
أنا السَّنديانُ الذي استُشهد.
تم نسخ الرابط





