ضريبةُ كتمانِ الغضبِ

أحياناً نظنُّ أن الصمتَ قوة، لكنه قيدٌ، فضريبةُ كتمانِ الغضبِ أنه يتحوّلُ إلى أذى، نوجّههُ إلى من لا علاقة لهُ بكلّ شيءٍ اختنقنا به.

ضريبةُ كتمانِ الغضبِ

كتمتُ غضبي طويلاً، ظننتُ أنني أُخفيه، أنني أروّض الوحشَ في داخلي بالصمت، وبالابتسامة الباردة، وبالتمثيلِ المُتقنِ لدور المتماسك، لكنّ ما يُكتمُ لا يموت، بل يتحوّلُ إلى شيءٍ آخر، ينتظرُ لحظةَ ضعفٍ واحدة، لينفجرَ في الوجهِ الخطأ، في الزمانِ الخطأ، وبالطريقةِ التي لا تُشبهني أبداً.

كنتُ أؤجّلُ الكلام، أُجيدُ التراجعَ عن كلّ معركةٍ قبل أن تبدأ، وأقولُ لنفسي: ليس هذا وقتها، لم أكن جباناً، بل كنتُ أتوهّمُ أنني أحمي نفسي، واليوم، حين أتذكّر كلّ صمتي القديم، أشعرُ بندمٍ لا يُشبه الأسى، بل يُشبه الندبةَ التي تكبرُ كلّما نظرتُ إليها.

أنا الذي لم أُعاتب، لم أصرخ، لم أشرح، لم أقل ما أستحقّ أن يُقال، كنتُ فقط أبتلعُ الانكسارَ بدمٍ بارد، وأُمضي، كنتُ أضعُ على وجهي قناعاً من القوة، وأخبّئُ تحتهُ وجعاً لا يُرى، كم مرّةٍ قلتُ: “لا بأس”، وكلُّ البأسِ كانَ في قلبي؟ كم مرّةٍ ابتسمتُ، وأنا أتمنّى أن ينهارَ كلُّ ما حولي لأصرخَ كما يليقُ بغضبٍ ظلَّ كثيراً في الظلّ؟

ثم حدثَ ما كنتُ أهربُ منه، انفجرتُ… بلا رحمة، بلا عدل، بلا وعي، انفجرتُ في وجهِ من لا علاقةَ لهُ بكلّ ما كتمتُه، في وجهِ صديقٍ، أو قريبٍ لم يقصدْ إلا الخير، كانَ الوجعُ داخليّاً، لكنّ الخارجَ لم يكن يعترفُ بحدوده، لم أكن أريدُ الأذى، لكنّه أصبح يخرجَ منّي رغماً عني، كأنني صرتُ مرآةً لكلِّ قهرٍ سكتُّ عليه، ومرآةً لعواطفٍ محبوسة، تتلوى وتصرخ بلا صوت، وصارَ صوتي مجنوناً، غريباً، لا أعرفهُ، يصدحُ بوجهي الذي لم أعد أميزُهُ، يصدحُ كأنّه صدى كلّ الكلماتِ التي دفنتها، وألمِ كلِّ اللحظاتِ التي تركتُها تمضي بلا مواجهة.

والآن، لا أجدُ في قلبي سوى ثقلِ الصمتِ الذي تراكم، لأنني غضبتُ متأخراً، لأنني تركتُ كلَّ شعورٍ داخليّ يتخمّر، حتى فسد، لأنني خفتُ من المواجهةِ، فخسرتُ حتى قدرتي على التفسير، لأنني ظننتُ أنّ النضجَ هو الصمت، فاكتشفتُ أنه أحياناً خيانةٌ للنفس.

ليتني عدتُ إلى اللحظات التي كتمت غضبي فيها، وقلتُ ما يجبُ أن يُقال، ليتني خضتُ معاركي في وقتها، ليتني ما خذلتُ غضبي حين طلبَ منّي أن أُنصفه، لقد دفعتهُ إلى الزاوية، فدفعني إلى الهاوية، وهذه ضريبةُ لم أكن مستعداً أن أُسدّدها، لكنني الآن أعيشُها… كلّ يوم.

تم نسخ الرابط

هل كان المحتوى مفيداً؟

نعم
لا
شكراً لملاحظاتك.
زر الذهاب إلى الأعلى