إعلان - Advertisement

طفل في غزة يوثق مشهد الوداع الأخير

كان هذا هو الوداع الأخير، حين لوّحتُ بيدي مودعًا طفولتي، عازمًا على أن ألبسَ عباءةَ الرجل لأُعيلَ أخي، هذا حديثٌ يخرجُ من ثغرِ طفل في غزة.

يوميات طفل في غزة: ماذا رأيتُ ولم يره العالم؟

بصوتٍ طفوليٍّ، وددتُ أن أسرقَ منهُ كلماتِ التجربة. بتمتماتٍ بريئةٍ وكلماتٍ مبهمةٍ، تمكنتُ من فهمِ ضخامةِ الوجعِ أمامَ ضآلةِ جسدي… من وحي التجربة… طفلٌ غزاويٌّ يتحدثُ بلسانٍ بالكادِ يلفظُ المفرداتِ التعبيرية، لكن عينيهِ تسردُ مرّ ما عايشهُ.

أطفال غزة يُسابقون الدهرَ بالوعي.

كان المشهدُ شبهَ اعتياديٍّ… وقعُ صوتِ الصواريخ، صدى الأمهاتِ المكلوماتِ… وبكاءُ أخي ونحيبُهُ المطوّلُ من شدةِ الهلع يمكنكَ القولُ بأنني اعتدتُ المشهدَ، إذ بلغتُ سنَّ الثانيةَ عشرةَ وأنا على هذا الحال.

أتذكرُ ذلك اليومَ جيدًا، حين كنّا مجتمعينَ حولَ المائدةِ التي تفترشُ الأرضَ… أنا وأخي وأمي… أما والدي، فقد أخبرتني أمي أنه رحلَ حيثُ يعيشُ بهناء ـ وعلى ما يبدو ـ أن رصاصةً ما قد اشتمّت رائحةً عبقةً تخرجُ من تجاويفِ صدرِه، فعزمتْ على أن تعتكفَ بينَ ضلوعِه!.

تجاوزتُ الأمرَ، لأنني لم أعرفْ معنى كلمةِ “أبي” طوالَ طفولتي المليئةِ بالدماءِ وخدوشِ الروحِ وكلالةِ الجسدِ، لكنني عرفتها فقط حين كانت ترنُّ في أذني من أفواهِ الأطفالِ في عمري: “أبوي بطل”، “أبوي جَابِ الأكل؟”.

لكني لم أتذوقْ طعمَ لفظِها حتى في خلوتي كنتُ أخشى أن يوقظَ صدى الكلمةِ روحي من خمودِها، فينطلقَ أنينُ الطفلِ المتألمِ لفقدانِ أعزِّ ما يملكُ: عمادِ المنزلِ والكتفِ الثابتِ الذي لا يميلُ.

وبلهجتي الفلسطينيةِ التي أفتخرُ بها أقول: “يا زلمة، شو الإشي اللي بيصبرنا على هالحرب غير وجودِ سِتّ الكل؟”، هكذا كنا نتجرعُ الصبرَ بشقِّ الأنفسِ، رغمَ صوتِ المدافعِ المرعبِ، وانهيارِ الجدرانِ على رؤوسِنا كنزولِ الغيثِ بعد جدبٍ.

على أي حال، سأكملُ حيثُ توقفتُ: كنّا مجتمعينَ على المائدةِ، نملأُ بطونَنا الخاويةَ بخبزٍ مُبللٍ بالماءِ والسكرِ، كانت تخبزُهُ أمي بيديها اللتين أصرّت الحربُ أن تتركَ عليهما علاماتِها: شقوقٌ وخدوشٌ لا يُمحى أثرُها.

كانت تقولُ لنا: “قولوا بسمِ الله يا ولاد، هاد رزقُ الله، إشي بيملّي البطنِ وبيسدُّ الجوعِ، غيرنا مش لاقي إشي ياكِلُه” فكنا نتمتمُ بأصواتٍ صغيرةٍ بالبسملةِ، ونتناوبُ على من يتركُ اللقمةَ الأخيرةَ لأخيهِ أو أمه!.

وفجأة.. انطلقَ ذلك الصوتُ… صوتٌ أفجعَ قلبي من شدتِه، وجعلني أشعرُ بالمرارةِ على لساني رغم حلاوةِ الخبزِ شعرتُ وكأنّ أحدَ ضلوعي انكسرَ أيضًا، وعندما يعودُ الوعيُ، سأتمكنُ من تأكيدِ الأمرِ.

أصبحت الرؤيةُ ضبابيةً بسببِ الغبارِ، صرختُ بأعلى صوتي: “أحمد… يا يما، بتسمعيني؟” لم يُجبني سوى صوتِ بكاءِ أخي لقد تجاوزَ المحتلُّ كلَّ الحدودِ، حتى أنه أسقطَ شظايا صواريخِه على أقربِ الناسِ إلى قلبي… أمي!.

رأيتُها مرميةً على الأرضِ، يدُها لا تزالُ ممسكةً بقطعةِ الخبزِ التي كانت تُناولُها لأخي الصغيرِ، الدماءُ تخرجُ منها من كلِّ مكانٍ، أو كما يبدو، كانت تسبحُ في بركةٍ من دمائِها دونَ أن أعرفَ مصدرَ الجرحِ!.

أخذتُ أخي ووضعتُه في حجري، حاولتُ أن أغطي عينيهِ كي لا يرى هذا المشهدَ الذي لن يفارقنا ما حيينا ربّتُ على كتفِه وهمستُ له بصوتٍ خافتٍ مختنقٍ بالغصةِ: “ما تخافِش!”.

وبينما هو جاثمٌ على حجري، أمسكتُ يدَ أمي و تأملتُ تلك الشقوقَ التي خلّفتها الحربُ عليها، شعرتُ بتجمدِ الدمِ في عروقي بدلًا من عروقِها دمُها كان لا يزالُ دافئًا كدفءِ قلبِها الذي طالما أدفأنا! ناديتُها بصوتٍ يختنقُ بالألمِ: “يما، بلاش لعب، قومي طعّمينا، والله جوعانين يا يما!”.

اختنقتِ الكلماتُ في حلقي، وتوقفَ كلُّ شيءٍ للحظةٍ، تلك اليدانِ اللتانِ كانتا تخبزانِ لنا ألذَّ الطعامِ رغمَ بساطتِه، أصبحتا ملطختينِ بالدماءِ و الطحينُ الأبيضُ تحولَ إلى أحمرَ… ودون أدنى شعورٍ مني سقطت دمعةٌ هاربةٌ من عينيّ على وجنتيها، فمسحتُ عنها غبارَ الدمارِ، لتبدو لي بشرتُها القمحاويةُ للمرةِ الأخيرةَ.

هذا المشهدُ… أمي… أخي الباكي… الجدارُ المدمرُ… رائحةُ الغبارِ… والدماءُ على الطحينِ! إنها ذكرياتي، حضني الدافئُ، فكيفَ أكونُ سندًا لأخي وأنا أحتاجُ إلى من يسندُني؟، هذا هو وداعي الأخير يا أمي وداعي لكِ ثم لنفسي، ولغزة أقول: عليكِ السلام يا أرض السلام.

تم نسخ الرابط

هل أعجبك محتوانا؟ أضف برو عرب إلى مصادرك المفضلة في جوجل لتصلك منشوراتنا مباشرة في نتائج البحث.

أضفنا كمصدر مفضل على Google

هل كان المحتوى مفيداً؟

نعم
لا
شكراً لملاحظاتك.

إعلان - Advertisement

فريال محمود لولك

الكتابة هي السبيل للنجاة من عالمٍ يسوده الظلام، ننقل بها سيل المعلومات لتوسيع مدارك القارئ المعرفية، أنا فريال محمود لولك، من سوريا، خريجة كلية التربية اختصاص معلم صف، وكاتبة منذ نعومة أظفاري، من وحي المعاناة وجدت في الكتابة خلاصي، ورأيت بها نور الله الآمر بالعلم والمعرفة، فاقرأ باسم ربك الذي خلق. فإن القراءة هي الطهارة لعقلك من كل جهل.