عندما تتحول المساعدة إلى دين بقلم محمد سعيد الحداد
ليس كل ما نقدمه للآخرين يظل معروفًا، أحيانًا تبدأ الحكاية بمساعدة صادقة ثم تنتهي بعلاقة يشعر فيها الطرف الآخر أنه مطالب طوال الوقت بتقديم مقابل لا ينتهي.
المشكلة هنا ليست في المساعدة نفسها
المشكلة في أن يتحول المعروف من قيمة إنسانية إلى ورقة تُستخدم وقت الخلاف.
هناك من يساعدك ثم يترك لك مساحة تحفظ فيها كرامتك،
وهناك من يساعدك ثم يحتفظ بما قدمه في ذاكرته كأنه دين مؤجل ينتظر اللحظة المناسبة للمطالبة به.
وعندما يقع الخلاف تظهر الحقيقة.
تبدأ عبارات مثل:
- أنا فعلت من أجلك كذا
- ألم أتدخل من أجلك في ذلك الموقف؟
- لولا مساعدتي لك لما وصلت إلى ما أنت فيه.
في هذه اللحظة لا تعود المسألة مساعدة.
لقد تحولت إلى وسيلة ضغط.
والمؤلم أن بعض الناس لا يكتشفون ذلك إلا عندما يختلفون مع الشخص الذي ساعدهم.
فما كان في البداية معروفًا يصبح فجأة ملفًا مفتوحًا.
وما قُدم يومًا بابتسامة يتحول إلى قائمة حسابات.
لكن هل هذا هو معنى المعروف؟
المساعدة الحقيقية لا تمنح صاحبها حق امتلاك من ساعده.
ولا تعطيه سلطة على قراراته.
ولا تجعل الطرف الآخر مطالبًا بالصمت عن الخطأ خوفًا من سماع ما قدمه له في الماضي.
فالإنسان عندما يساعد إنسانًا آخر فإنه يقدم شيئًا يملكه.
لكنه لا يشتري به حقًا في حياته.
وهناك فرق كبير بين الامتنان والخضوع.
من الطبيعي أن يتذكر الإنسان من وقف بجانبه وأن يقدر من قدم له الخير.
لكن الامتنان شيء.
وأن يعيش الإنسان تحت ضغط المعروف شيء آخر.
وفي المقابل فإن من يحتاج إلى مساعدة عليه أيضًا أن يعرف حدودها.
ليس كل من مد يده لمساعدتك يريد السيطرة عليك.
وليس كل مساعدة تحمل في داخلها مصلحة.
لذلك لا يصح أن نعيش أسرى للشك.
لكن من الحكمة أن نراقب ما يحدث بعد المساعدة.
هل بقيت العلاقة طبيعية؟
هل ظل المعروف معروفًا؟
أم أصبح كل اختلاف فرصة لتذكيرك بما قدمه الطرف الآخر؟
هنا تظهر قيمة الإنسان الحقيقية.
فمن أجمل صور الإنسانية أن تساعد شخصًا في وقت احتياجه ثم تنسى أنك ساعدته.
- لا تبحث عن تصفيق.
- ولا تنتظر مقابلًا.
- ولا تستخدم لحظة ضعفه لتفرض عليه شيئًا.
لأن الإنسان قد يحتاج إلى المال في يوم.
وقد يحتاج إلى موقف في يوم آخر.
وقد يحتاج فقط إلى شخص يقول له: أنا بجانبك.
لكن ما يحتاجه أكثر من أي شيء هو أن تظل كرامته محفوظة.
وفي النهاية
ليس كل من أعطاك شيئًا أصبح له حق فيك.
وليس كل من ساعدك أصبح صاحب قرار في حياتك.
المعروف الحقيقي يرفع الإنسان ولا يضعه تحت التهديد.
فإذا احتاج المعروف إلى تذكير دائم.
فقد فقد جزءًا كبيرًا من معناه.
وأجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان عندما يساعد غيره أن يترك له شيئًا أهم من المساعدة نفسها:
- أن يترك له كرامته.





