عندما تصبح اللقطة قرارًا – بقلم محمد سعيد الحداد
في زمن أصبحت فيه الكاميرا حاضرة في كل مكان لم يعد السؤال دائمًا ماذا تحقق للناس بل ماذا ظهر أمام الكاميرا، وهنا تبدأ المشكلة عندما تتحول اللقطة من وسيلة لتوثيق الإنجاز إلى غاية بحد ذاتها.
فقد أصبحنا نشاهد أحيانًا مشاهد كاملة الإعداد والابتسامات حاضرة والتصريحات جاهزة والكاميرات في أفضل زواياها بينما يبقى السؤال الأهم خارج إطار الصورة.
ماذا تغير فعلًا على أرض الواقع؟
المشكلة ليست في التصوير ولا في الإعلام ولا في توثيق المسؤول لنشاطه.
فمن حق أي مسؤول أن يعلن ما ينجزه ومن حق المؤسسات أن توثق أعمالها ومن حق المواطن أن يعرف ما يحدث حوله.
لكن الأزمة تبدأ عندما يصبح الاهتمام بالمشهد أكبر من الاهتمام بالنتيجة.
عندما يصبح المسؤول منشغلًا بكيف سيظهر أكثر من انشغاله بما يجب أن يتحقق.
وعندما تتحول بعض الاجتماعات إلى مناسبات للتصوير أكثر من كونها مساحات لاتخاذ قرارات.
وعندما تصبح الكلمات عن الإنجاز أطول من الإنجاز نفسه.
هنا لا نتحدث عن إعلام ناجح
بل عن صورة تحاول أن تقوم بدور الواقع.
والواقع لا يجامل أحدًا.
المواطن البسيط لا يعيش داخل الصورة.
هو يعيش داخل الشارع والمدرسة والمستشفى ومكتب الخدمة والمواصلات والأسواق.
هو لا يعنيه عدد الصور التي التقطت أثناء افتتاح مشروع بقدر ما يعنيه أن يجد المشروع يعمل بكفاءة بعد مغادرة الكاميرات.
ولا يعنيه طول التصريحات بقدر ما يعنيه أن يجد مشكلة حقيقية وقد وجدت طريقها إلى الحل.
ولا ينتظر من المسؤول أن يكون نجمًا أمام الكاميرا.
بل ينتظر منه أن يكون حاضرًا عندما يحتاجه الناس.
وهنا يظهر الفارق بين مسؤول يعمل من أجل الإنجاز ومسؤول يعمل من أجل صورة الإنجاز.
الأول قد لا يحتاج إلى كثير من الكلام لأن النتائج تتحدث عنه.
أما الثاني فقد يحتاج إلى كثير من الكلام لأن الصورة وحدها لا تستطيع أن تتحدث طويلًا.
والأخطر من ذلك أن بعض المؤسسات قد تقع في فخ الاهتمام بالشكل على حساب المضمون.
فتصبح الأولوية للخبر المنشور والصورة الرسمية والتصريح اللامع بينما تتراجع الأسئلة الأصعب.
- هل تم حل المشكلة؟
- هل تحسن مستوى الخدمة؟
- هل وصل القرار إلى المواطن؟
- هل تغير شيء بالفعل؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تبقى في مقدمة المشهد.
لأن الإعلام المهني ليس وظيفة تجميل الواقع.
الإعلام الحقيقي يستطيع أن يوثق الإنجاز لكنه لا يصنعه.
ويستطيع أن ينقل القرار لكنه لا يستطيع أن يمنحه قيمة لم يكتسبها على الأرض.
ولهذا فإن المسؤول الذكي لا يخاف من النقد المهني.
بل يعرف أن النقد الصادق قد يكشف له خللًا لا تستطيع عشرات التقارير المادحة أن تكشفه.
أما صناعة المشهد طوال الوقت فقد تمنح صاحبها لحظة من التصفيق لكنها لا تمنحه بالضرورة ثقة الناس.
والثقة تحديدًا لا تُلتقط بالكاميرا
الثقة تُبنى بالوقت والعمل والالتزام.
وقد ينجح البعض في صناعة صورة مثالية لساعات.
لكن المواطن يعيش الواقع أربعًا وعشرين ساعة في اليوم.
ولهذا لا يمكن أن تنتصر الصورة على الحقيقة إلى الأبد.
في النهاية المسؤول الذي يضع الإنجاز أولًا لن يحتاج إلى مطاردة الكاميرا.
فالكاميرا ستبحث عنه عندما يصبح ما يفعله جديرًا بالتوثيق.
أما من يجعل اللقطة هدفًا
فقد يحصل على صورة جميلة.
لكن الصورة الجميلة لا تعني بالضرورة واقعًا جميلًا.
فالناس لا تحتاج مسؤولًا يجيد صناعة الصورة بقدر حاجتها إلى مسؤول يصنع النتيجة.
وفي النهاية
الصورة قد تصنع تصفيقًا لدقائق.
أما الإنجاز الحقيقي فيصنع احترامًا يبقى لسنوات.
والفرق بين الاثنين أن الكاميرا تستطيع أن توثق ما حدث لكنها لا تستطيع أن تصنعه.





