غربة الروح وانشطار النفس

الصمتُ يَقتلني وأنا فيه حي، أتنفس هواء يجعل روحي تنازع، وأبكي خلسةً من أنين الجدران المكتوم، إنه انتزاع الروح من الجسد قسراً، بل هو غربة الروح.

غربة الروح

إنَّها غُربةُ الرُّوح، فُرقةُ الجَسَد، وَالِانصِاتُ إلى صَوْتِ تَهشِيمِ الضُّلوعِ!
الوَحْدَةُ… يُمكِنُ تلخيصُها بهذا الوَصْف، أتَعلَمُ مَعْنَى أنْ تَكُونَ رَفِيقَ نَفْسِكَ،
وَمِرآتَكَ جَلِيسَتَكَ كُلَّ لَيْلَةٍ؟ تُنَادِيهَا كَالْمَخْبُولِ: “كَيْفَ حَالُكَ يَا قَلْبِي؟!”.

فَيَرْتَدُّ الصَّدَى نَاثِرًا الهَبَاءَ فِي الجَوِّ… لَا إجَابَةَ! فَقَطْ دَمْعَةٌ هَارِبَةٌ،
تَنْسَابُ عَلَى وَجْنَتَيْنِ وَرْدِيَّتَيْنِ كَقِطْعَتَيْ “التّشِيز كَيْك”!.

الصَّمْتُ يَا صَدِيقِي… الصَّمْتُ يُعِيدُ تَرْتِيبَ كُلِّ شَيْءٍ، يُوقِظُ فِيكَ المَشَاعِرَ النَّائِمَةَ،
وَيَهُزُّ سُبَاتَ الرُّوحِ الَّذِي اِسْتَمَرَّ طَوِيلًا!.

يُحَرِّكُ مَا بِكَ مِنْ تَسَاؤُلَاتٍ، فَتَبْحَثُ عَنْ إجَابَاتٍ… الصَّمْتُ هُوَ الْيَقَظَةُ،
وَالْمَوْتُ كَذَلِكَ الأَمْرُ! فَتَسْمَعُ أَنِينَ النَّايِ الخَارِجِ مِنَ الجُدْرَانِ،
وَتَجِدُ الصُّورَةَ المُعَلَّقَةَ تَتَمْتَمُ سَاخِرَةً، قَاهِرَةً إيَّاكَ بِذُكرهَا لتَارِيخٍ وَلَّى مُنْذُ زَمَنٍ!.

سَتَبْكِي أَرْضِيَّةُ مَنْزِلِكَ وَهِيَ تُرِيكَ وَقْعَ أَقْدَامٍ لَمْ يَبْقَ مِنْهَا إلَّا أَثَرُهَا!
وَهُنَاكَ تُدْرِكُ أنَّ الصَّمْتَ – رُغْمَ غِيَابِ الكَلَامِ – ضَجِيجُهُ قَاتِلٌ!
ضَجِيجٌ يَنْبَعِثُ مِنَ الأَنِينِ المَكْتُومِ المُخَبَّأِ فِي وَسَادَتِكَ،
يَظْهَرُ حِينَ تَشْكُو لَكَ وَهِيَ تَزْمَجِرُ مِنْ بَلَلِهَا المُسْتَمِرِّ كُلَّ لَيْلَةٍ!.

وَغِطَاؤُكَ يَنْزَوِي فِي آخِرِ السَّرِيرِ، يَبْكِي بُرُودَتَهُ القَارِسَةَ،
بَعْدَ أَنْ تَرَكْتَهُ مَرْمِيًّا لِفَتْرَةٍ… هَذَا الصَّخَبُ أَشَدُّ اسْتِفْزَازًا مِنْ ضَجِيجِ البَشَرِ!
إِنَّهُ قَاتِلٌ خَفِيٌّ يَمُرُّ بَيْنَ ثَنَايَا الرُّوحِ، يُوقِظُ الذِّكْرَى ثُمَّ يُبَدِّدُ الشُّعُورَ،
فَيَقْتُلُ كُلَّ شَيْءٍ! شَغَفَكَ… إصْرَارَكَ… شُعُورَكَ… وَرَغَبَاتِكَ!.

وَتَكُونُ بِذَلِكَ فَرِيسَةً سَهْلَةً لِلضّيَاعِ، تَضِيعُ بَيْنَ رَغْبَتِكَ فِي الخُرُوجِ مِنْ هَذَا السِّجْنِ،
وَخَوْفِكَ مِنْ عَدَمِ القُدْرَةِ عَلَى تَقَبُّلِ غَيْرِ المَأْلُوفِ!.

لَقَدْ مَاتَ بِي كُلُّ شَيْءٍ يَا صَدِيقِي، وَلَمْ أَعُدْ أُبَالِي بِمَا هُوَ آتٍ…
هَلْ تَتَخَيَّلُ أَنْ تَقْتُلَ رُوحًا وَأَنْتَ آسِرُهَا بَيْنَ الجُدْرَانِ؟
هَلْ تَتَخَيَّلُ أَنْ تُسَلِّطَ شَيْطَانَكَ عَلَى شَخْصٍ حَالِمٍ… فَيَمُوتُ حُلْمُهُ وَيَبْقَى هُوَ عَلَى حَالِهِ؟
هَلْ تَتَخَيَّلُ أَنْ تَتْرُكَهُ أَسِيرَ الوَحْدَةِ… وَالِاحْتِيَاجِ… وَشَكْوَى الرُّوحِ كُلَّ لَيْلَةٍ،
دُونَ أَنْ يَجِدَ مَنْ يُرَبِّتُ عَلَى كَتِفِهِ؟!.

هَذَا الصَّمْتُ يَا صَدِيقِي قَدْ صَارَ يُصَرْعُنِي… أُرِيدُهُ أَنْ يَتَوَقَّفَ!
فَكُلُّ شَيْءٍ فِي الصَّمْتِ يَتَحَدَّثُ بِصَوْتٍ عَالٍ، يُذَكِّرُنِي بِحَجْمِ مَأْسَاتِي وَانْكِسَارَاتِي…
جُدْرَانِي… لَوْحَتِي… وَسَادَتِي… فَرَاشِي! جَمِيعُهَا تُثِيرُ غَثَيَانِي…

لِذَلِكَ سَأُسَاعِدُ رُوحِي أَنْ تَتَقَيَّأَ كُلَّ احْتِيَاجٍ، بِأَنْ أَجْعَلَهَا تَنْتَشِي حَتَّى السُّكْرِ،
تَنْتَشِي لِتَنْسَى أَنَّهَا مَا زَالَتْ عَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ!
أُرِيدُهَا أَنْ تَطُوفَ فِي الأَرْجَاءِ، وَتَسْتَبْدِلَ الأَنِينَ المَكْتُومَ بِقَهْقَهَاتٍ سَاخِرَةٍ،
تُشَارِكُهَا حَالَةَ السُّخْرِيَةِ على الذات!.

تم نسخ الرابط

هل كان المحتوى مفيداً؟

نعم
لا
شكراً لملاحظاتك.

فريال محمود لولك

الكتابة هي السبيل للنجاة من عالمٍ يسوده الظلام، ننقل بها سيل المعلومات لتوسيع مدارك القارئ المعرفية، أنا فريال محمود لولك، من سوريا، خريجة كلية التربية اختصاص معلم صف، وكاتبة منذ نعومة أظفاري، من وحي المعاناة وجدت في الكتابة خلاصي، ورأيت بها نور الله الآمر بالعلم والمعرفة، فاقرأ باسم ربك الذي خلق. فإن القراءة هي الطهارة لعقلك من كل جهل.
زر الذهاب إلى الأعلى