إعلان - Advertisement

من كثرة التفكير تحول رأسي إلى غرفة تعذيب

في الليل من المفترض أن ينام الإنسان، لكن رأسي له رأي آخر، فقرر أن يتحول إلى غرفة تعذيب لا تهدأ فيها الأفكار، وتختنق الأنفاس تحت وطأة التفكير المفرط.

في رأسي غرفة تعذيب وأنا السجين والجلاد

حين يخلد الإنسان إلى النوم، يعتاد أن يغمره بعض من التفكير، هامساً كأنّه نسمة تطوف في أركان الذاكرة، لا تهدد راحته، لكنني وصلتُ إلى مرحلة لا يُمكن وصفها، حيث صار التفكير حملاً ثقيلاً ينهش كياني، حتى تحول رأسي إلى غرفة تعذيب لا تهدأ.

تمرّ أمام عينيّ مشاهدٌ من حياتي، لا تترك لي مهرباً من تكرارها، أفكّر بأصغر التفاصيل وأتفهها، وأكبرها وأكثرها تعقيداً، حتى غدت الذكريات والأفكار سجناً يضيق بي في كل لحظة، كل فكرة تقودني إلى أخرى، كأنني أسير في متاهة لا قرار لها، تتشابك فيها الخيالات، وتتصاعد ظلالها حتى تحاصر روحي.

لم يعد التفكير مجرد نشاط ذهني عابر، بل بات وحشاً يلتهمني، يستحوذ على كل ذرة من سلامي، أحيانا أجد نفسي في مواجهة نوبات هلعٍ شديدة، تتسلل إليّ قبل النوم، تخنق أنفاسي، وتزرع في قلبي خوفاً عميقاً لا أستطيع تفسيره، ذلك الخوف يجعل من لحظات الهدوء قبلاً معتمة، ومن الليل ساحة معركة لا تنتهي.

كلما حاولت أن أهدأ، عاد صوت التفكير ليعلو، كأنه همسٌ خبيث يردد: ماذا لو؟ ماذا لو؟ ولماذا؟ وكيف؟ فتصبح الأفكار أشواكاً تُغرس في كياني، وتنسج حولي حبالاً من القلق لا تُفكّ، أحياناً أتساءل: هل سأخرج من هذه الغرفة؟ أم أنني محكوم عليّ بأن أظل أسيراً لأفكاري المتأججة؟

أحياناً أجد نفسي أتحدث إلى ذاتي، أحاول أن أشرح لها هذا المأزق الذي لا يوصف، كأنني أروي قصة مأساة بلا كلمات تكفي لوصفها.

أحياناً كلمة أو موقف صغير وتافه في نظر البعض، قد يجعلني لا أنام ليالي طويلة، أظل أفتّش في تفاصيله، أراجع كلماتي، تعابير وجهي، وحتى نبرة صوتي، كأنني أقف في قاعة محكمة داخلية لا تصدر حكماً، بل تُمدد العقوبة إلى ما لا نهاية.

هل تعرف ما يعنيه أن تتحول أفكارك إلى أعداء، تلاحقك في كل زاوية، في كل لحظة؟ كيف يمكنك أن تجد السلام، بينما كل شيء في داخلك يصرخ؟ كيف يمكن أن تشرح لنفسك أن هناك حبّاً للحياة، وأنت محاصرٌ بين جدران هذا السجن العقلي؟

في فترة من حياتي، كنت أتناول حبوب منوم لأهرب من هذا العذاب الليلي، بحثاً عن لحظة راحة ولو قصيرة، لكن الآن الأمور تغيّرت كثيراً، وأصبحت تلك الحبوب رغم قوتها بلا جدوى، لم تعد تنفع، لم تعد تفرض على جسدي السكون، حتى لو تناولتها في الحادية عشر أو الثانية عشرة أو الثانية ليلاً، فأظل أصارع الفراش لساعات طويلة حتى أنام.

في كثير من الأيام، أُفقد الإحساس بالزمن، أخلد للنوم في الثانية عشرة، وفي غفلة تشرق الشمس في السادسة صباحاً، ولا أزال أحارب أفكاري، أعانق صراعي الداخلي بلا هدوء، وفي أوقات كثيرة، إن قمت لكي لا أنام، يتعب جسدي من السهر ويستسلم، لكن الروح تبقى تعاني بلا رحمة، في هذه الغرفة التي لا تتركني أبداً.

هذا جزء بسيط من المعاناة لأصحاب التفكير المفرط، حين تفكر بكل شيء: بالعائلة، بالمسؤوليات، بالعمل، بالأصحاب، بحديثك مع الناس، بتفاصيل يومك الذي مضى، بكل شيء بدون استثناء.

والآن، حلمي الوحيد أن أنام مثل أي شخص طبيعي، لقد أرهقني التفكير المفرط الذي بات يوجع عقلي ويهلك جسدي، والذي سيحولني قريباً إلى مجنون.

حتى الآن، لا أعرف هل هذا مرض أم شيء طبيعي، لا أعرف شيئاً حقاً، أظل أسير بين شكّ وقلق، في غموضٍ لا ينتهي، يبحث عن تفسيرٍ يُخفف وطأة هذه الغرفة اللعينة التي أعيش فيها، غرفة لا تترك لي متنفساً، سوى انتظار فجرٍ جديد، لعلّه في يومٍ ما يحملُ لي شيئاً من الراحة والسلام.

في النهاية، قد يرى الكثيرون كلامي تافهاً، وربما يظنون أن ما أعانيه مبالغٌ فيه، لكن نصيحتي لكم: لا تدعوا المواقف التي تمرّ بكم تتراكم صامتةً في صدوركم، لا تسكتوا عن شيء يرهق قلبكم حتى لو بدا تافهاً للآخرين أو كان لايستحق الكلام.

لا تسكتوا عن كلمة لم تعجبكم، ولا تتجاهلوا حقكم في التعبير والوقوف بوجه ما يؤلمكم، حاربوا كل موقف في وقته، فلا تؤجلوا جراحكم أو قلقكم وتعبكم، فإن تراكم الصمت يولد سجناً داخلياً لا تخرجون منه بسهولة، الراحة تبدأ حين تواجهون كل ما يؤلمكم في وقته، فلا تدعوا لأنفسكم أن تُحبس في غرفة تعذيب لا تنتهي، ولا يمكن الخروج منها أبداً.

تم نسخ الرابط

هل كان المحتوى مفيداً؟

نعم
لا
شكراً لملاحظاتك.

إعلان - Advertisement