في ذكرى رحيل أبي… اليوم الذي لم ينتهِ
هناك أيام لا تمرّ… تمرّ الأيام كلها، تتبدّل الفصول، تكبر الوجوه، تتغيّر الأماكن، ونعتاد أشياء كثيرة كنا نظن أننا لن نعتادها يومًا، إلا ذلك اليوم، يوم رحيل أبي.
يأتي كل عام كما لو أنه لا يزال يحمل الخبر نفسه، بالوجع نفسه، وبذلك الصمت الثقيل الذي سبق أن ملأ البيت حينها.
يقولون إن الزمن يخفف الألم.
ربما يخفف حدّة البكاء، لكنه لا يمحو الغياب.
فأنا لم أعد أبكي كما كنت في البداية، لكنني أفتقدك بطريقة أكثر هدوءًا… وأكثر عمقًا.
أفتقدك في التفاصيل الصغيرة التي لا ينتبه إليها أحد.
في بابٍ يُفتح ولا أراك خلفه.
في صوتٍ يشبه صوتك فألتفت دون تفكير.
في موقفٍ أتمنى فيه أن أسألك: ماذا أفعل؟
وفي لحظة فرح، حين أتمنى لو أنك موجود فقط لتراني وأنا أفرح.
أبي…
من الصعب أن يشرح الإنسان معنى أن يعيش وفي قلبه مكان لا يستطيع أحد أن يسكنه.
منذ رحيلك، تعلّمت أن بعض الغياب ليس له بديل.
يمكن للناس أن يحيطوا بنا، أن يحبونا، أن يساندونا، وأن يجعلوا أيامنا أقل قسوة…
لكن الأب الذي رحل لا يشبهه أحد.
هناك أشياء كثيرة لم أقلها لك.
كلمات تأخرت حتى أصبح الوقت بلا معنى.
أشياء تمنيت أن أخبرك بها، ونجاحات تمنيت أن تكون أول من يسمع عنها، وأيام كنت أحتاج فيها إلى وجودك أكثر مما كنت أستطيع أن أقول.
وفي كل ذكرى لرحيلك، لا أتذكر فقط يوم موتك…
أتذكر كل الأيام التي عشتها معك.
أتذكر أنك كنت جزءًا من طفولتي، من خوفي، من أمانيّ، ومن الصورة التي كنت أرسم بها معنى كلمة أبي.
اليوم، لا أطلب من الحياة أن تعيدك.
أعرف أن بعض الأبواب لا تُفتح مرة أخرى.
كل ما أريده أن تبقى ذكراك حيّة في قلبي، وأن يصل إليك من دعائي شيءٌ من الحب الذي لم ينتهِ برحيلك.
رحمك الله يا أبي.
في مثل هذا اليوم، فقدتُ شخصًا…
لكنني في الحقيقة فقدتُ جزءًا من عالمي.
وسيظل هناك في داخلي طفلٌ صغير، مهما كبر، ينتظر منك شيئًا واحدًا لن يأتي…
أن يسمع صوتك مرة أخرى ويقول:
أبي، أنا هنا.





