قصة قابلت نفسي وأنا صغيرة
كم تمنينا أن نعود إلى الماضي بينما كنا أطفالاً، لا نكترث لأي شيء، ولا يعرف الحزن طريقاً لقلوبنا، لذا وفي مخيلتي قابلت نفسي وأنا صغيرة.
قابلت نفسي وأنا صغيرة
استيقظت في صباح ذلك اليوم، بينما كان قلبي مستيقظاً قبلي، ممتلئًا بلهفة لا تصفها الكلمات، بدأت في تجهيز ملابسي، ولكن على غير العادة لم أُعد قهوتي التي أتناولها داخل الشرفة كل يوم بينما أراقب العصافير التي تغرد في الصباح مُعلنة سعادتها العارمة ببزوغ الشمس.
ربما وددت أن أشاركها هذه المرة مع نسختي الصغيرة، لا أدري، ولكن على الرغم من شوقي للقائها، كنت متأخرة كثيراً.
ارتديت ملابسي التي يغلب عليها السواد، أخفيت عينيّ خلف نظارتي الشمسية، وضعت عطري المُفضل، تأملت قلادتي التي تحمل صورة ابنتي ووضعتها على عنقي بينما أنظر إلى جسدها الصغير وهي نائمة، وضعت قبلة حانية على جبينها، استدرت تاركة خلفي حاضري وامتدادي، ذاهبة لرحلة سرية قصيرة إلى الماضي.
ركبت سيارتي متوجهة إلى المكان الذي اتفقنا على اللقاء به، إنه المكان الذي أعشقه منذ الصغر، تكاد رائحته تداعب أنفاسي أكثر كلما اقتربت منه، كان فؤادي يركض إلى هناك قبلي باحثاً عنها أو عني.
وعلى الرغم من ازدحام المكان، التقطتها عيناي، تلك الحالمة الصغيرة التي تشع طاقة وحباً للحياة، حتى تكاد تجعل الأجواء من حولها زهرية اللون بالرغم من ارتدائها ملابس سوداء.
بدأت في الاقتراب منها، رائحة عطري المفضل تلامس أنفي، ولكن هذه المرة لم تكن آتية من عنقي، بل من التي تحمل ملامحي حينما كانت أكبر أمنياتي أن أتجاوز الساعة الواحدة صباحاً في السهر، ورغم أن شكلي قد تغير كثيراً إلا أنها عرفتني من النظرة الأولى.
بدت وكأنها متذمرة قليلاً ولكن كنت أعلم أن خلف هذا التذمر شوق ليس له حدود، أول ما نطقت به: لماذا كل هذا التأخير؟
أجبتها محاولة التحكم في اشتياقي لرؤيتها: في حقيقة الأمر أنا لا أصل بموعدي عادةً.
ظهر عليها التعجب قائلة: لكنني وصلت في موعدي!
لا أدري، ربما تغيرت قليلاً.
قليلاً؟ لا يبدو لي كذلك ولكنني سعيدة للغاية برؤيتك، ماذا ستشربين؟
قهوة وأنتِ؟
بابتسامة هادئة تخفي خوفها على صحتي: قهوة! هل نسيتِ قول الطبيب، إن معدتك تكره القهوة دون تناول الطعام، هل تريدين العودة إلى تناول الأدوية التي تكرهينها؟
وأمام عدم اكتراثي، استأنفت كلامها: سأشرب عصير مانجو.
وجدتني دون وعي وبصوت خافت أقول: عصير مانجو وضع الكثير من مكعبات الثلج، مما جعلها تبتسم ابتسامة حانية كما لو أنها شعرت بالسعادة لأنني أتذكر كل تفاصيلها.
وبينما كنا نتحدث سوياً لاحظت أنها تلتفت إلى الوراء مراراً، كانت عيناها الواسعتين تلمعان بنقاء لم يعرف الخذلان بعد، كم تمنيت بقائها هكذا، تُرى هل كانت ستصبح مروة التي أنا عليها الآن؟؟
لماذا تنظرين خلفك كثيراً؟
أمي تنتظرني في الخارج كعادتها، ولأنها تعرف كم أشتاق لرؤيتك، تركتنا نتحدث سوياً، ولكن أين أمك؟ كيف سمحت لكِ بالخروج وحدك، فهي تخاف عليكِ دائماً؟
غصة ألم تسللت إلى صدري مخترقة قلبي كرصاصة من نار، تبللت عيناي على أثرها بدمعة حارة، وصوت دفين داخلي يقول: آه يا حلوتي.. لو تدرين ما الذي ينتظرك؟، ولكن سرعان ما حاولت السيطرة على ذلك الشعور، كي لا أرى في أعينها سؤالاً لا أقدر على البوح بإجابته.
وضعت يدي على يدها، ليتني كنت أستطيع احتضان قلبها النقي، وسألتها: هل ما زلتِ تنادين أمي باسمها سُمية كما تحب أم أصبحت تقولين لها ماما؟
ضحكت ببراءتها المعتادة فأطلت غمازاتها وقالت لي: سُمية بالطبع، ثم همست واضعة يدها بجانب فمها: وسوسو إن كنا بمفردنا، ثم عادت القوة إلى صوتها وهي تسألني: أخبريني هل حققنا ما كنا نطمح له يا مروة؟
هل ستصدقينني إذا أخبرتك أنني لا أتذكر ما الذي كنا نطمح له، ولكننا دوماً نؤمن بأن ترتيب الله أفضل، فقد أصبحت كاتبة محتوى، تعبر كلماتي القارات، وفي يوم ما، سأكون مميزة بذلك المجال، أليس كذلك؟
اتسعت مُقلتاها بإعجاب لم تستطع إخفاؤه قائلة: أنتِ دوماً مميزة، ولكن سرعان ما اختفت هذه النظرة لتتحول إلى أخرى يملؤها قلق ممزوج بشفقة كما لو أنها تخشى أن تلمس بقلبي جرحاً لم يلتئم، صمتت لثوانٍ معدودة، يبدو أنها لم تتمكن من السيطرة على فضولها كالعادة.
عيناكِ تودان إخباري بشيء، ثمة أمر تحاولين إخفاؤه، هل أنتِ بخير؟
نعم يا حبيبتي، أنا بخير وسأكون بخير دائماً، اسمعيني جيداً، لا تتركي يد أمي أبداً، قبّليها دوماً يا مروة الصغيرة، أرجوكِ وأخبريها أنني أحبها حباً لا يقدر قلبي على تحمله، هيا اذهبي لها ولا تتركيها تنتظرك أكثر من ذلك.
اقتربت منها خافضة رأسي كي أطبع قبلة الوداع على جبينها، فاستطاعت قلادتي جذب انتباهها لتهمس في أذني: مَن هذه الجميلة التي تضعين صورتها في قلادتك؟
إنها ابنتي… سُمية، فرمقتني بنظرة تخفي في ثناياها أسئلة عدة، ولكي أتلاشى الإجابة عنها نظرت إلى صورة ابنتي واستدرت متوجهة إلى منزلي.
وصلت إلى جوار سُميتي الصغيرة، أتأمل جمال ملامحها وهي لا تزال نائمة، وضعت يدي على شعرها والأخرى على يدها، وهمست في أذنها الصغيرة: اشتقت لكِ كثيراً يا سُمية، أغمضت عينيّ متمنية أن يلتقي الماضي بالحاضر دون فواصل، حتى ولو في أحلامي.
تم نسخ الرابط





