قصائد سليمان العيسى عن دمشق: حين يكتب الحجر شوقاً
اكتشف أحلى قصائد سليمان العيسى عن دمشق العاصمة السورية التي سحرت العالم بجمالها، وتعرَّف على قصة حياته.
أجمل قصائد سليمان العيسى عن دمشق
كتب الشاعر السوريّ سليمان العيسى ابن لواء إسكندرون مجموعة قصائد رائعة عن مدينة دمشق، إليك أشهرها:
1- قصيدة دمشق حكاية الأزل
عبقُ التاريخِ.. يا أمَّ السَّنا!
أمْ نداءُ الشعرِ .. أمْ أنتِ لديَّا؟
أيُّ خمرٍ؟ كُلَّما مُدَّتْ يدي
صعقتني الكأسُ، فارتدّتْ إليّا
أيُّ سرٍّ أنتِ؟ ننهدُ على
شاطئ السحرِ.. ويبقى أزليّا
أيُّ أُنشودةِ مجدٍ.. أرْضعَتْ
مولدَ الدهرِ سناها العربيّا!
آه.. يا شامُ! تعبْنا كلُّنا
ومضى لغزُكِ جبّاراً عصيّا
كلُّنا دونكِ زوَّقْنا الرُّؤى
وعشِقْنا.. وتغزُّلْنا مليَّا
شُعراءُ الشامِ.. وانهلَّ الشَّذَا
وإذا الحرفُ جُنونٌ من حُمَيّا
أنتِ أعطيتِ.. ولمَّا تتعبي
ومشى الكِبرُ ببردَيْكِ فتيَّا
مرَّةً.. ومضةَ سيفٍ فاتحٍ
مرَّةً.. عصماءَ تغوي عبقريّا
كلُّنا فيكِ ط.. أنَخْنا رَكْبَنا
وسألْنا بردى التاريخِ رِيَّا
كلُّنا عندكِ.. ألقيْنا العصا
ووقفْنا.. زِرّ ورْدٍ نَتفيَّأ!
آه يا شامُ! تقاسمنا الهوى
فإذا أنتِ.. رُشداً وغيّا
إيذني لي أفتَتِحْها وقْفَتي
غَزَلاً يفرضُه الحبُّ عليّا
أيكونُ الشعرُ إلاَّ قصفَة
من جناحَيْكِ.. وينهالُ سخيَّا؟
لا أنا قلتُ.. ولا قالَ فَم
أنتِ منْ رَقرَقْنا حرفاً نديّا
مَنْ سَقانا..
مَنْ سَبانا..
مَنْ حَكى..
ثمَّ ردَّدْنا الصّدى حُلْماً غَوِيّا
يا قصيدَ المُبتدا والمنتهى
إيذَني لي فيكِ أنسابُ رويّا!
لمسةٌ منكِ، ويصحو عالمٌ
من غواياتِ الصَّبا بين يديّا
إيذني لي أرتمي.. يا حلوتي
في ذراعَيْ حلوتي طفلاً نقيّا
2- قصيدة أنا في الطريق إلى دمشق
أنا في الطريق إلى دمشق، *** وما سئلت لكي أجيبا.
وورائي “الشهباء” يحمل *** صدرها صمتا رهيبا.
وحسبتها ترمي إلى *** صداحها.. نظرا غريبا.
ومضت بنا أرسان *** تنتهب المسالك والدروبا.
وتركز الحرسي جنبي *** كالحا أبدا.. قطوبا.
يا للحياة.. تعود بسـ *** متنا بها عملا مريبا!!
ورميت طرفي للنجوم.. *** نسيبة لاقت نسيبا!
والدرب يوقظ في الظلام *** بخاطري لحنا حبيبا.
والطل يعبث بالزجاج.. *** أمام أوجهنا ضروبا.
وملابسي .. في صرة *** بيضاء.. كنت بها مصيبا.
أنى ارتميت.. وسادتي! *** وائذن لنومك أن يطيبا!
هذي المعرة.. أي حلم *** هز إحساسي مهيبا!
هذا خيال أبي العلاء *** يكاد يصدمني قريبا!
هذا تمرده على *** الأجيال.. لم يبرح صخوبا.
شيخ الخلود.. تحية *** عجلى، وأنداء، وطيبا!
هذي جراحك.. لم تزل *** وطنا، وتاريخا سليبا.
هذا الثرى العربي.. لم *** يبرح وسل دمنا خصيبا!
زمجرت في وجه الفساد.. *** ولم تر الخطب العصيبا!
لم تعرف المستعمر *** السفاح في وطني نيوبا.
ومخالبا.. تدع الجلود *** بنا .. لتحتل القلوبا.
وظلاله المتزاحفين *** وراء أرجله . دبيبا.
ما كنت تصدم بالحواجز *** حيث أزمعت الركوبا.
كنت الشروق، متى أردت، *** وكنت في وطني الغروبا.
والنيل، مثل الرافدين، *** فلا حدود، ولا شعوبا!
زمجرت.. لم تشهد شمالا *** يستباح، ولا جنوبا.
شعبا برمته يباد.. *** ويستغيث، ولا مجيبا!
زمجرت.. دعني هادئا *** أوجز لك النبأ العجيبا!
شيخ الخلود.. يكاد طيفك *** عن جفوني أن يغيبا!
عذرا إذا.. وتحية *** عجلى.. وأنداء .. وطيبا.
3- قصيدة يا ياسمين دمشق
تسقي منَ الأزلِ السحيقِ وتسكرُ
ماذا أقولُ.. وأيُّ خمرِكَ أعصرُ؟
يا ياسمينُ دمشقَ.. مُدَّ بيارقي
مَطراً بملحمةِ الرسالةِ يَهْدر
يا ياسمينَ دمشقَ.. عطرُكَ أبيضٌ
وتغطرسَتْ أفعى.. فعطرُكَ أحمرُ
وغضِبْتَ.. فالوطنُ الكبيرُ عباءةٌ
حطتْ على بردَى، ونسر أسمرُ
هشّمتها أسطورةٌ.. وذروتَها
كلُّ الغزاةِ على العبيرِ تكسّروا
كلُّ الغزاةِ.. وظلَّ قنديلُ الهوى
أبداً على العطرِ المُدلَّلِ يَسهرُ
كلُّ الغزاةِ.. ولم تَجِفَّ منارةٌ
يا ياسمينُ.. ولا تزحزحَ منبرُ
تمتدُّ يا لونَ العبيرِ جهنَّماً
فوقَ الرّمالِ.. جهنَّماً تتسعَّرُ
وتقهقِه الصحراءُ.. تحتَ نعالِها
سوداءُ من قصصِ الجريمةِ تَقْبَرُ
يا ياسمينَ دمشقَ.. طوقٌ واحدٌ
وطنُ العروبةِ بالأريجِ مُسوَّرُ
بالنارِ، بالغضبِ المقدَّسِ، بالرُّؤى
بالأنبياءِ من الترابِ تفجَّروا
من كلِّ زنبقةٍ أطلَّ مقاتلٌ
من كلِّ سوسنةٍ تحدّرَ خنجرُ
وُلدوا على بَردى مروجَ غمامةٍ
بالصاعقاتِ، وبالطفولةِ تُزهِرُ
وُلدوا على سيناءَ مثلَ قصيدةٍ
في بالِ معجزةِ الرؤى لا تخطُرُ
من أينَ؟ من أعماقِ أعماقِ الثرى
قدرٌ يزيحُ غطاءَهُ ويزمجرُ
يا ياسمينَ دمشقَ.. مِفتاحُ الضُّحى
بيد العبيرِ.. حضارةٌ لا تُقهَرُ
يا قامةَ الغضبِ الذي لا ينحني
ميلادُكَ العربيُّ أخضرُ أخضرُ
يا ياسمينُ دمشقَ.. وحدةُ أمةٍ
بدمِ النسورِ..
دمِ النسورِ..
تُسطَّرُ..
4- قصيدة وساوس من أجل ورد الشام
ينام ورد الشام
في كفيّ..
في جفنيّ..
في الضلوع
أعطيه ما يشاءُ من صوتي
ومن كل الذي يهجس
في الضلوع..
أعطيه ما يشاء…
لكنني أخشى…
ولا أعرفُ ما أخشى..
على هذا الذي يستوطنُ السُّهاد
في مقلتيّ أبداً
يقول في عِناد:
إني أنا الزمان
والحبُّ والأمان
لا تخشَ شيئاً…
هِبةَ السماءْ
كنتُ لهذي الأرضِ
أبقى هبة السماءْ…
ينامُ وردُ الشام في جفني
وأخشى..
ليتَني أُدركُ
ما خبأه غَدُ!
حينئذٍ أنامُ…
لا تُمضتي وساوسي..
لا أسهَدُ…
5- قصيدة سنونو بلادي
طارت سنونو بلادي *** خلف البحار البعيدة.
رأت غرائب شتى *** رأت بلاداً جديدة.
المدهشات صنوفٌ *** والرائعات عديدة.
وكل شيء… يُغني *** على هواه نشيده.
والناسُ.. أيُّ زحامٍ *** وأيّ دنيا رغيدة!
لكن سنونو بلادي *** كانت هناك وحيدة.
وغمغمت ذات يومٍ *** للريح شكوى مديدة.
في ربوة الشام عُشٌ *** فيه كنوزي الفريدة.
لو تعرفون حنيني *** إلى كنوزي الفريدة.
6- قصيدة حمامة على نافذتي
إنها المرة الأولى التي أسكن فيها فوق الأرض،
يا صديقتي الجميلة…
منذ اثنين وخمسين عاماً
-زمن طويل أليس كذلك-
منذ اثنين وخمسين عاماً
وصديقك الشاعر يسكن قبواً تحت الأرض
(درجات عشر هبطن نزولتً
هن مثل التمهيد للأبدية)
هذا ما قلته فيه ذات يوم..
إنهما في الحقيقة، قبوان، وكلاهما مستأجر
الأول في حلب…
مدينة الصخر، والنسمة النقية، والنغمة الطروب
والثاني كان في دمشق…
عاصمة الضوء والياسمين
وأعني بالضوء تاريخها العظيم
أما الياسمين فليس بحاجة إلى تفسير
7- قصيدة في الشام
حسناء.. شط بي الخيال.. وكدتُ ألهو عنك حينا
سأصب في سمع الزمان حكايتي.. شعراً مبينا
لحناً.. تعلّين العذوبة.. من يديه.. وتنهلينا
أنا في الشآم.. وما أرقّ الشام.. أهبطها سجينا
هذا الشتاء.. أحسه فيها ربيعَ الحالمينا
ألغوطة الخضراء.. لم تك قبلُ مُترعَةً فتونا
والعطر.. لم يك مُسكِراً كاليوم.. للمتنسِّمينا
والشارع المغمور في القصّاع لم يك يستبينا
وأطل.. حيث رنوتُ.. ضمّ طريقنا حوراً، وعينا
وفتوةً.. وكهولةً غادين حولي.. رائحينا
حتى الجذوع العاريات بدوت تَشُوق الناظرينا
حتى الطريق -وهل يحس؟- حسبته.. يهتزّ لينا
وأشحتُ وجهي.. ما الطبيعةُ؟ ما الحياة؟… لخانعينا
يا من تحت على الرصيف خطاك.. أو تمشي رصينا
لا فرق.. فيما بيننا لو تعلم الخبر اليقينا
لا فرق.. صدّقني.. فإنّا في النظارة أجمعينا
ما دام في أرض العروبة حربةٌ.. للغاضبينا
لا فرق.. معتقلين كنا يا أخي.. أو مُطْلقينا
تتراكم الأغلال حتى تشملُ الشعبَ الأمينا
من هو سليمان العيسى؟
سليمان العيسى شاعر سوري مشهور، وُلِد في في قرية النعيرية بمدينة أنطاكية التابعة إلى لواء إسكندرون عام 1921، وانتقل خلال مسيرة حياته بين محافظات سورية عديدة لينتهي به المطاف في العاصمة دمشق، حيث توفي سنة 2013.
بدأ كتابة قصائد الشعر في سن مبكرة مستلهماً مواضيعها من بؤس الفلاحين وهمومهم، ومستفيداً مما تعلّمه على يد والده الشيخ أحمد العيسى.
حصل سليمان العيسى على شهادة من دار المعلمين العليا في بغداد، وعمل مدرساً لمادة اللغة العربية وآدابها في مدارس حلب، ثم موجهاً أول للغة العربية في وزارة التربية السورية.
تم نسخ الرابط





