قصة أغنية على الشباك
في قصة أغنية على الشباك تتفتح حكاية معلّقة بين الماضي والحاضر على لحن أعادَ نبضاً كان مكسوراً ورسم على نافذة القلب لحظة ما بتتكرر يمكن كانت قدر.
قصة أغنية على الشباك
كانت رُبا تعيش حالة من الهدوء الغريب في تلك الفترة من حياتها، هدوء يشبه الفراغ أكثر مما يشبه الراحة، الأيام تمر مثل صفحات كتاب بلا عنوان، والصمت صار جزءاً من غرفتها كما لو أنه قطعة أثاث ثابتة، ومع ذلك كانت تجد ملاذاً صغيراً قرب الشباك، ذلك الشباك الذي كان يفتح على شارع هادئ ينام باكراً ويستيقظ ثقيلاً كعادة المدن الصغيرة.
كانت تحب الجلوس قرب الشباك ليس لأنه مكان جميل، بل لأنه المكان الوحيد الذي تشعر فيه أنها قريبة من نفسها، هناك كانت تفكر، تستعيد ذكرياتها، تراقب المارة، وتحاول تسمع صوتها الداخلي الذي لطالما ضاع وسط فوضى الحياة، وكل ليلة كانت تسند رأسها على الزجاج البارد وتتنفس بعمق وتشعر كأن الهواء يحاول إصلاح شيء مكسور بداخلها.
في تلك الليلة بالتحديد، كانت الغيوم منخفضة وقاسية، الهواء بارد، ورائحة الشتاء المبكر تدخل من فتحة الشباك مع كل هبّة ريح، كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة، الأشياء في غرفتها شبه ساكنة، ودفتر الرسم مفتوح على صفحة ناقصة كانت تحاول تكمّلها منذ أيام، لكنها لم تستطع، شيء ما كان ناقصاً، شيء لم تعرف اسمه.
وفجأة بدأ صوت خافت يرتفع من بعيد، جاء مثل نسمة صغيرة تحمل معها لحن غريب، توقفت رُبى عن التفكير، رفعت رأسها، وأصغت، الصوت كان خفيفاً جداً في البداية، مثل همس، لكنها شعرت أنه موجّه لها بطريقة ما، هذا الشعور الخفي الذي يأتي قبل أن تعرف الحقيقة، شعور يشبه النداء.
اقتربت من الشباك ببطء، وضعت يدها على الزجاج، حاولت تسمع، ومع كل ثانية كان الصوت يزداد وضوحاً، كان غناء، صوت دافئ، حزين، مليء بتعب السنوات، وصدى خفيف لآلة وترية، جيتار ربما، أوتار تهتز وكأنها تسرد حكاية طويلة.
ومع الكلمات الأولى للرجل الذي يغني شعرت رُبا بقلبها يضطرب، الكلمات تقول:
يا قلب لو فيك تحكي،
كنت فهمتني قبل ما أبكي،
ولو شباكي بيسمع صوتي،
كان رد علي وما خلاني وحدي.
شهقت، ليست لأنها سمعت أغنية مؤثرة فقط، بل لأنها سمعت شيئاً كان لها، شيء يشبه وجعها، يشبه مساءاتها الطويلة، وحتى طريقة التنهيدة بين الجمل كانت مألوفة، مألوفة بشكل يخيف، وكأن الصوت آتٍ من الماضي نفسه.
فتحت الشباك أكثر، الهواء دخل بقوة، دفاترها على الطاولة ارتجفت، والبرد لامس وجنتيها، لكنها لم تهتم، كل تركيزها كان على الصوت، على الشخص الذي يقف تحت بنايتها ويغني ليل الشتاء.
وعندما ظهر صاحب الصوت تحت ضوء المصباح الشاحب، كادت أن تتراجع للخلف، كان واقفاً هناك، يحمل جيتاراً بنّي اللون، كتفه منخفض قليلاً من التعب، وصوته ينساب باتجاه شباكها كأنه يعرف طريقه جيداً، وعندما تقدمت خطوة للأمام انكشف وجهه بوضوح، وهنا انحبس نفس رُبى في صدرها.
كان آدم، آدم الذي اختفى قبل سبع سنوات، آدم الذي كان أول صديق لها، أول ضحكة شاركته، وأول شخص جعلها تؤمن أن هناك من يفهمها، ثم اختفى فجأة، سافر، ترك كل شيء، ولم يشرح شيئاً لأحد.
تجمدت لدقائق، جسدها انشدّ للخلف، وذاكرتها انطلقت مثل فيلم سريع، كل المواقف الصغيرة التي جمعتهما عادت، يوم أعطاها دفتر الرسم، يوم مشيا قرب الحديقة، يوم سألته عن صوته وقالت له غني، صوتك حلو، ويوم سمعها تضحك على أغنية تافهة وغنّاها لها بخجل، كل شيء عاد بطريقة مؤلمة، طريقة عميقة، جعلتها تضع يدها على فمها كي لا تترك شهقتها تخرج.
لكن لماذا عاد الآن، ولماذا يغني، ولماذا يختار شباكها تحديداً، ولمن كتب تلك الأغنية التي تحمل وجعاً واضحاً، أسئلة كثيرة انسكبت عليها مرة واحدة.
أغلقت الشباك بسرعة، تراجعت خطوة، ثم جلست على الكرسي، وضعت يدها على قلبها، ما هذا الذي يحدث، هل هو حلم، هل هو وهم، هل هو صدفة، أم قدر عاد ليطرق بابها من جديد.
ظلت دقائق طويلة تتردد، بين رغبتها في الهروب، ورغبتها في مواجهة الحقيقة، وفي النهاية غلبها الجزء الذي اشتاق، الجزء الذي ظلّ يحتفظ به في مكان مخفي من روحها، وقفت، لبست معطفاً خفيفاً، ونزلت الدرج بهدوء شديد.
عندما خرجت للشارع، وقف آدم فوراً، صمت، لم يعد يغني، وكأن الأغنية توقفت لأنه وجد ما كان يبحث عنه، التقى نظرهما، لحظة طويلة، صعبة، حقيقية جداً.
اقتربت خطوة، وقالت بصوت منخفض: آدم؟
هو ابتلع ريقه: كنت مفكر ما رح تطلّي.
سألته بهدوء يخبي ألف شعور، شو عم تعمل هون؟
تنفس بعمق: رُبا…..
سبع سنين وأنا حامل أغنية،
بس ما لقيت مكان تنغنى فيه،
غير هون تحت شباكك.
تجمدت، ما عرفت إذا بدها تصرخ، تبكي، أو ترجع، هالكلام كان ثقيل، صادق، ومو متوقع.
سألته: ليش رجعت،
قال: هربت زمان لأنو ما كان عندي خيار، كنت ولد بيتنا مليان مشاكل وما كان فيني آخد حدا معي بس صرت رجال، وصار فيني أرجع، وأعتذر، وأحكي، وأواجه.
نظرت للأرض: وأنا شو بتتوقع تلاقيني ناطرتك؟
هز راسو: ما توقعت شي،
بس توقعت أني رح آخد أول نفس حقيقي إذا وقفت هون…
الكلمات دخلت لقلبها مثل سكين دافية، مؤلمة ومريحة بنفس الوقت.
سألته: والأغنية كتبها لألي؟
هالمرة ما هرب من الجواب، وحكالها: أي ألك ومن يوم تركت الحارة بس ما غنّيتها غير هون قدام شباكك لأنّي ما كتبتها إلا منك ارتعشت رُبا، شعور غريب كان يلفها، كانت بين الرغبة بالاقتراب
وبالخوف من إنها تنجرح مرة ثانية.
قال بخجل جميل: ربا،
أنا ما جاي أرجع الماضي،
جاي أبني شي لو من أوّل سطر جاي قلك أنّي تعبت من الهرب، وتعبت من أني خبّي صوتي وتعبت من الحياة بدونك.
أغمضت عينيها لثوان كانت تحتاج تتنفس تتأكد إن هاد المشهد حقيقي ثم فتحت عينيها وقالت بصوت ثابت
تعال نتمشى بدي أفهم….
مشيوا بجانب بعض خطوات متقاربة، والليل كان واسع، والشارع شبه فاضي، وأضواء المحلات مطفأة إلا محل، صغير عم يسكر الباب كل شي كان بسيط، بس كل كلمة كانت تشيل غبار سنين طويلة.
صار يحكيلها عن سفره عن الشغل، عن الوحدة، عن الناس اللي مرّوا وراحوا،
عن الخسارات، وعن الشي الوحيد يلي ضل معه، صورتها… صورتها وهي تضحك، صورتها وهي غاضبة، وصورتها وهي تنصحه، وغصّ بصوته لما قال: ما كنت أعرف إنو الإنسان ممكن يعلق بذكرى،
لدرجة يضل يشوفها بكل مكان.
نظرت له للحظة طويلة ما عاد عرفته ولا عاد غريب،
كان شي بين الاثنين شي ناضج وحقيقي وبينما كانوا يمشوا، وصلوا للبحر الموج كان عالي والهواء بارد بس كان في دفء واضح بينهم.
وقف آدم قدام البحر وقال: إذا بدك نمشي، منمشي إذا بدك نرجع نكون غرباء، بقدر إذا بدك هالليلة تنتهي هون
كمان بقدر، بس إذا في احتمال صغير، صغير بس إنك تسمحيني أرجع غني مرة تانية عند شباكك أنا جاهز…
الكلمات نزلت عليها مثل مطر دافئ، كانت محتارة، مرتبكة،
وممتنة بنفس الوقت كانت تعرف أنو قصص الماضي ما بترجع مثل ما كانت،
بس كانت تعرف كمان إنو الزمن بيخلق أشكال جديدة للحب، أشكال أنضج وأعمق وأهدى.
نظرت للبحر رجعت نظرت له،
وقالت: آدم، القصص ما بترجع بس بتخلق وبتنولد من جديد إذا كان في نية حقيقية وأنت في نية…
ابتسم وانحنت كتفه شوي،
كأنه ارتاح كأنه حمل كان عم يحمله لسنين وقع أخيراً عن قلبه.
رجعوا للحارة، الشارع صار أهدى، والليل صار ألطف،
وقف آدم تحت شباكها،
وقالت له بابتسامة مرتجفة،
غني: رفع الجيتار، أغمض عينيه، وبدأ يغني، الأغنية نفسها، لكن نبرة صوته تغيرت،
ما عاد فيها حزن، صار فيها رجاء، وبداية، وكأن اللحن صار يكتب نفسه من جديد.
ورُبا كانت فوق عند الشباك ومتل أول مرة هوا الليل عم يدخل بس هالمرة ما كان يحمل برد، كان يحمل فرصة فرصة لحياة جديدة قصة جديدة، قلب جديد عم يتفتح شوي شوي..
وهون عرفت رُبى إن الشباك،
ما عاد نافذة على الماضي، صار نافذة على غد، غد يبدأ من أغنية، أغنية على الشباك.
تم نسخ الرابط





