قصة الرئيس التنفيذي والبذرة التي كشفت الحقيقة

في عالمٍ يُقاس فيه النجاح بالمظاهر، تأتي قصة الرئيس التنفيذي والبذرة التي كشفت الحقيقة لتذكّرنا أن الأمانة لا تُزرع في التربة، بل في القلب.

بداية قصة الرئيس التنفيذي

في إحدى أمسيات الصيف، جلست ليلى وزوجها رؤوف بيك في شرفة بيتهم المطلّة على الحديقة الواسعة.
كان الجوّ هادئاً، لكن حديثهما كان مليئاً بالمفاجآت، قالت ليلى مازحة:

“يعني لامتى بدك تضل عم تشتغل؟ ارتاح شوي، مو من حقك تتقاعد؟”.

ابتسم رؤوف وقال بهدوء:

“من حقي أرتاح، بس الصعب إني أوقف، العمل بالنسبة إلي عبادة، بس يمكن فعلاً صار وقت أترك الإدارة التنفيذية وأعطي فرصة لدم جديد”.

تفاجأت ليلى:

“يعني شو؟ رح تعيّن مدير تنفيذي بدالك؟”.

هزّ رأسه وقال بثقة:

“إيه، بس مو أي حدا، لازم يكون شخص عنده صدق، ضمير، وبيفهم معنى المسؤولية”.

كانت تلك اللحظة بداية تحوّل كبير في مسار الشركة العائلية الكبرى “شركة التنمية الزراعية”، التي أسسها والد رؤوف وجده من قبله.

إرث العائلة

في اليوم التالي، اجتمع رؤوف بيك بابنه توفيق.
كان توفيق شاباً طموحاً، يملك شركة كمبيوتر صغيرة أسسها بدعم والده، لكنه كان يتوق أن يصبح المدير التنفيذي الجديد.

قال توفيق:

“بابا، سمعت إنك ناوي تترك الإدارة؟ في حدا ببالك ياخد محلك؟”.

ردّ رؤوف بابتسامة حنونة:

“لسّا ما قررت، بس ما شرط يكون من العيلة، مو بالضرورة”.

تفاجأ توفيق وسكت، فتابع والده حديثه بحزم:

“أبوك الله يرحمه ما سلّمني الشركة بسهولة، شغّلني عامل نظافة، بعدين مراقب دوام، بعدين محاسب، ما خلاني أدير شي قبل ما أتعلم معنى التعب.
أنا ما بدي أظلمك يا ابني، بس الإدارة مو وراثة، هي مسؤولية، يلي بدي يستلم لازم يكون جاهز فعلاً”.

كانت كلمات رؤوف ثقيلة على قلب ابنه، لكنها كانت صادقة، وخرج منها توفيق صامتاً يفكر:
هل يستحق فعلاً أن يكون في موقع والده؟

اختبار البذور

بعد أيام، دعا رؤوف جميع المهندسين الشباب في الشركة إلى اجتماع كبير.
وقف أمامهم بثقة وقال:

“قررت أعيّن المدير التنفيذي الجديد من بينكم، بمسابقة بسيطة.
راح أعطي كل واحد منكم بذرة، ازرعوها واهتموا فيها لآخر السنة، يلي بتكبر وبتصير نبتته أجمل، بيصير المدير التنفيذي”.

وزّعت السكرتيرة البذور، وبدأ الجميع يتحمسون للتحدي.
منهم من سقاها يومياً، ومنهم من أضاف سماداً عضويّاً وكيماوياً، وكلٌّ ظن أنه سيفوز.

لكن كان بين المهندسين شاب اسمه بسام.
زرع بذرته مثل غيره، لكنه لاحظ بعد أسابيع أنها لا تنبت أبداً!.
جرب كل شيء، غيّر التربة، نقلها للشمس، لكنه فشل.
ومع اقتراب الموعد النهائي، شعر باليأس، لكنه قرّر أن يقول الحقيقة مهما كانت النتيجة.

يوم الحصاد

اجتمع الجميع في قاعة الشركة بعد أشهر.
وقف رؤوف بيك أمام صفوف من النبتات الخضراء الجميلة، يتفحصها واحدة تلو الأخرى بإعجاب.
ثم وصل إلى بسام، الذي كان يحمل قِدره الفارغ بخجل.

قال رؤوف بابتسامة غامضة:

“وين نبتتك يا بسام؟”.

أجابه بتردد:

“سيدي، زرعتها واهتميت فيها كل يوم وعملت المستحيل، بس ما طلعت أبداً”.

سكت رؤوف للحظة، ثم رفع صوته قائلاً أمام الجميع:

“أحسنت يا بسام! أنت المدير التنفيذي الجديد!”.

صُدم الجميع، فسأل أحدهم:

“بس كيف؟ البذرة ما طلعت!”.

ابتسم رؤوف وقال:

“لأنها ما لازم تطلع، كل البذور اللي أعطيتكم ياها كانت فاسدة، أنتم بدلّتوها ببذور تانية لتكسبوا الواجهة، إلا بسام… حافظ على الأمانة وما غيّرها، واللي بيزرع الصدق… بيحصد النجاح”.

امتلأت القاعة بالتصفيق، وكان بسام واقفاً مذهولاً ودموعه في عيونه.

بعد سنوات، أصبحت شركة التنمية الزراعية من أنجح الشركات في المنطقة.
وبسام، المدير التنفيذي الجديد، أثبت أنه الاختيار الصحيح.
أما رؤوف بيك، فتابع مشروعه الكبير، وهو مطمئن أن شركته الأولى بين أيادٍ أمينة.

وفي إحدى مقابلاته قال:
“ما في بذرة بتثمر إلا إذا كانت صادقة، والبشر مثل البذور، الصدق فيهم هو اللي بينبت المستقبل”.

تنويه: هذه القصة مستوحاة من إحدى حلقات مسلسل “مرايا” للأستاذ الكبير ياسر العظمة، ذلك العمل الذي قدّم برؤية فنية راقية دروساً عميقة في الحياة.

تم نسخ الرابط

هل كان المحتوى مفيداً؟

نعم
لا
شكراً لملاحظاتك.

محمد مشهدي

مؤسس ورئيس تحرير منصة "برو عرب"، صانع محتوى رقمي، ومصمم مواقع إلكترونية عديدة وخبير في مجال الويب.​
زر الذهاب إلى الأعلى