قصة الساعة المكسورة
في قصة الساعة المكسورة نكتشف كيف يمكن لشيء بسيط أن يوقظ فينا حكايات قديمة، ويكشف مشاعر كنا نظنها انتهت، لنفهم أن الزمن لا ينكسر بل نحن.
قصة الساعة المكسورة
في زحمة الأيام، وفي تلك اللحظات التي تبدو عادية إلى حد يجعلنا نمرّ فوقها دون انتباه، يحدث أحياناً أن يختبئ قدرٌ صغير داخل تفصيل لا نتوقعه شيء لا قيمة له في نظر الجميع، لكنه يهزّ داخلنا أبواباً كنّا نغلقها بإحكام، وهكذا بدأت حكايتي مع الساعة المكسورة… الساعة التي لم يكن فيها عقارب قادرة على الحركة، لكنها كانت تملك القدرة على تحريك كل شيء داخلي.
كنتُ في غرفتي، تلك الغرفة التي تشهد على كل فصول حياتي: حزني، محاولاتي، أيام الانتصار الصغيرة، والنكسات التي كنت أضحك عليها لاحقاً وكأنها تخص شخصاً آخر غيري، بينما كنت أرتّب رفوف الخزانة القديمة، انزلقت علبة صغيرة كانت مختبئة في الزاوية، علبة تشبه تلك التي نُخفي فيها الرسائل القديمة أو ذكريات ننكر أننا ما زلنا نحتفظ بها.
لم أكن أخطط لفتحها، لكن الفضول أحياناً يسبق الحكمة بخطوات كثيرة، فتحت الغطاء، فوجدت الساعة… ساعة يد ذات إطار فضي باهت الزوايا، وزجاج مكسور من المنتصف توقفت عقاربها عند الرابعة والثلث، وكأن الزمن انحنى عند هذه اللحظة ورفض أن يكمل لم أستوعب في البداية لماذا اهتزّ شيء بداخلي، ولماذا شعرت بقلبي يركض رغم أنني لم أتحرك خطوة.
ثم تذكرت….
هذه الساعة لم تكن مجرد قطعة معدنية، كانت هدية… هدية من شخص كان يحمل لي معنى أكبر مما كنت أعترف به، شخص مرّ في حياتي كنسمة، لكنه ترك خلفه عاصفة، شخص لم أعد أعرفه اليوم، ولا أعرف إن كان تذكرني ولو للحظة واحدة في السنوات التي تلت رحيله.
اسمه يوسف.
شاب التقيته صدفة، وتعلمت منه أشياء لم يعلّمني إياها أحد، لم يكن أكبر مني بكثير، لكنه كان يملك خبرة إنسان خاض الحياة ثلاث مرات وعاد منها مبتسماً، كان لديه تلك القدرة النادرة على جعل كل شيء يبدو أسهل، حتى الألم، ربما لهذا السبب علّق في داخلي كعلامة استفهام كبيرة ظلت ترافقني أينما ذهبت.
يوم أهداني الساعة قال جملة لم أفهمها حينها: أهم شي تتعلمي أنو الوقت ما بيرجع بس الشعور بيرجع إذا ما عرفنا ننساه.
ضحكت وقتها وقلت له: يعني عم تعطيني ساعة لتذكرني بالماضي؟
أجابني: لا… لحتى تتعلمي تختاري شو بدك يرجع وشو لازم يروح.
كانت ساعة جميلة، بسيطة، ليست باهظة، لكنها كانت تحمل طاقة غريبة… أو ربما أنا التي أعطيتها تلك القيمة لا أذكر كيف انكسرت، ولا متى بالضبط كل ما أعرفه أن يوسف رحل بعدها بفترة قصيرة… رحل بلا وداع، لا خلاف، لا سبب واضح، لا كلمة أخيرة، فقط اختفى.
في تلك الحقبة من حياتي كنت أظن أن الناس عندما يرحلون يتركون صريراً أو حركة أو صوتاً يخبرنا بأنهم لن يعودوا… لكن يوسف رحل بصمت، وهذا ما جعله أشد حضوراً.
أغلقت العلبة بسرعة يومها وقررت أن أنسى، أحياناً نختار النسيان ليس لأننا تخلصنا من الشعور، بل لأنّ مواجهته أصعب بكثير.
الآن، وأنا أمسك الساعة المكسورة بيدي، شعرت أن شيئاً يريد العودة من النافذة الخلفية للذاكرة، جلست على طرف السرير، أراقب العقارب المتوقفة الرابعة والثلث….
لحظة لا أعرف ماذا حصل فيها، هل كان يوسف معي حينها؟ أم كنت وحدي؟ أم أنّ الساعة توقفت لأن الزمن تعب من ملاحقة قصة لم أُكمل فصلها الأخير؟
الغريب أنّ هذه الساعة المكسورة جعلتني فجأة أسمع صوت يوسف كأنه يجلس بقربي تذكّرت تلك الجلسة التي كنا فيها نتحدّث عن الخوف كنت أخبره أني أخاف من الفقد، من النهاية، من أن أستثمر مشاعر في شخص ثم أفقده، ابتسم وقال: نسرين… إذا خفتي من النهاية ما رح تعيشي البداية أصلاً.
وكم كانت الجملة صحيحة.
خلال السنوات الماضية، عشت الكثير من العلاقات، صداقات، محاولات حب، تعارف، أشخاص دخلوا حياتي وخرجوا منها، لكنّ الحقيقة أني لم أسمح لأحد بالاقتراب لدرجة يمكن أن يكسرني فيها، ربما لأن يوسف، بطريقة ما، جعلني أخاف من كسر آخر… من لحظة أخرى تتوقف فيها عقارب داخلي.
وضعت الساعة على الطاولة، وتوجهت لعمل أبريق شاي، أردت أن أفكر بهدوء، أن استرجع علاقتي بهذا التفصيل الصغير الذي عاد فجأة ليطرق الباب بقوة، وأنا أشرب الشاي، لاحظت أني أفعل شيئاً غريباً: كنت أراقب حركة البخار وكأنه يجيب على أسئلتي.
لماذا عاد هذا الشعور الآن؟
لماذا هذه الساعة بالتحديد؟
ولماذا أشعر أني لم أُغلق قصة يوسف كما يجب؟
ربما لأننا، نحن البشر، نملك تلك العادة القديمة في ترك القصص معلّقة، نخاف من الختام، فنتهرب منه، وكأن النهاية إعلان عن ضعف، لكن الحقيقة أن النهاية هي بداية أخرى، فقط نحن لا نراها في وقتها.
أمسكت الساعة مجدداً، حاولت أن أحرك العقارب بأصابعي لكنها لم تتحرك، كأن الزمن يريد أن يبقى في تلك اللحظة، وأشعرني ذلك بشيء من الغضب كيف لقطعة جامدة أن تتحكم بكل هذه المشاعر داخلي؟ كيف استطاع تفصيل بسيط أن يعيدني سنوات إلى الوراء؟
ثم اكتشفت شيئاً…
أن الساعة لم تكن المكسورة، أنا التي توقفت عن الحركة منذ ذلك اليوم.
تذكرت كل لحظة هربت من شعور حقيقي، كل فرصة حب تجاهلتها، كل شخص حاول الاقتراب فوضعت بيني وبينه جداراً، كل ذلك لأن يوسف رحل بصمت… كأنه أخذ معه القدرة على البدء.
لكن، هل يعقل أن أعلّق حياتي على ذكراه؟
هل يعقل أن أعيش كل هذه السنوات بنصف نبض؟
وضعت إصبعي على الزجاج المكسور، ومررت عليه ببطء شعرت بقشعريرة، كان الشكل المتشقق يشبه خريطة ما، وكأن الزمن نفسه يريد أن يرشدني لطريق نسيت أن أسلكه.
فجأة، خطرت ببالي فكرة لم أتوقعها: هل عليّ أن أبحث عن يوسف؟
هل هذا هو معنى ظهور الساعة الآن؟
أم أن الحقيقة أبسط من كل ذلك؟ ربما عليّ أن أبحث عن نفسي، لا عنه.
سحبت دفتر يومياتي القديم… ذاك الدفتر الذي كنت أكتب فيه أحلامي وخوفي واندفاعي وأمنيّاتي، كان هناك عدد من الصفحات الممزقة، وصفحات أخرى كتبتها بعصبية حتى كدت أخترق الورق، وعثرت على صفحة كُتبت فيها جملة واحدة بخطّي المرتبك: ألّا يكسرني الغياب مرّة أخرى.
تأملت الجملة طويلاً أدركت حينها أنّ الساعة المكسورة ليست رسالة من الماضي بل مرآة، مرآة تُظهر لي كل ما في داخلي من صدع، مشكلة الإنسان ليست فيما خسره، بل في ما لم يجرؤ أن يستعيده.
ربما حان الوقت لأتوقف عن الهروب.
في تلك الليلة، بعد أن عدتُ من المقهى، شعرت بأن العالم كله يتغير من حولي… شيئاً فشيئاً، وكأن شيئاً داخلي كان يستيقظ للمرة الأولى، دخلت غرفتي، أغلقت الباب ببطء، ووضعت الساعة المكسورة على الطاولة قرب ضوء خافت ينعكس على الزجاج المشقق، فيرسم خطوطاً تشبه الشقوق التي ظلّت لسنوات محفورة داخلي.
اقتربت منها، لمستها بأطراف أصابعي، وبدا لي وكأنها قلب خامد يحتاج فقط لنبضة كي يعود للحياة، ولكن الحقيقة أن الساعة لم تكن بحاجة لإصلاح… بل أنا.
جلست على الأرض، وظهري مسنود إلى سريري، وكأنني أتحضر لحوار أخير، مواجهة نهائية، مع نفسي أولاً قبل أي أحد، كنت أفكر بكل الطرق التي تهربت بها من الشعور، من الخسارة، من احتمالية الألم… من احتمالية الحب أيضاً، الشجاعة لا تكون دائماً في التقدم، أحياناً تكون في التوقف والاعتراف بأننا خفنا لسنوات طويلة دون سبب حقيقي.
رفعت الساعة أمامي، تأملتها طويلاً، ثم شعرت بأن الزمن يطرح عليّ سؤالاً واحداً: هل تريدين أن تبقي متوقفة، أم حان وقت الحركة؟
الغريب أني فهمت المعنى فجأة… فهمته بقوة جعلتني أضحك، ضحكة قصيرة لكنها صادقة، أدركت أن الزمن ليس ضدنا كما نعتقد، بل ينتظرنا لنتصالح مع أنفسنا كي نتحرك معه، أدركت أن عقارب الساعة توقفت لأن قلبي توقف قبلها… توقفت عن الإيمان بأن الحياة يمكن أن تعطيني بداية جديدة.
وضعت الساعة على معصمي، رغم كسرها، رغم توقفها شعرت بأن هذا الكسر ليس نقصاً، بل جزءاً من قصتي جزءاً لا أريد إخفاءه بعد اليوم، فمن قال إن الأشياء المكسورة يجب رميها؟ أحياناً هي التي تذكرنا بأننا نملك القدرة على النهوض مهما انكسرنا.
وقفت أمام المرآة، لم أكن تلك الفتاة القديمة، ولم أكن النسخة التي عاشت سنين خوفاً من الماضي، كنت شيئاً جديداً… نسخة لم أولدها من أحد، بل صنعتها من الرماد الذي تركته الخيبات.
نظرت إلى نفسي مطولاً، وقلت بصوت مسموع: أنا جاهزة… للمرة الأولى، جاهزة.
لم أعنِ أنني جاهزة لعودة يوسف، ولا لحب جديد، ولا لأي شيء محدد بل كنت جاهزة لأفتح الباب للحياة كما هي… دون خوف من الفقد، لأن الفقد جزء من الطريق، ودون خوف من الكسر، لأن الكسر لا يمنع الروح من الضياء… بل يساعدها على دخوله.
اقتربت من طاولتي، فتحت العلبة الجديدة ووضعت الساعة فيها، لكن هذه المرة لم أغلق الغطاء سريعاً تركته مفتوحاً، وكأنني أخبر نفسي أنّ الماضي ليس سجناً… بل صفحة مفتوحة، أعود إليها حين أريد أن أعرف أين كنت، لأفهم أكثر أين يجب أن أذهب.
ثم حدث شيء غريب…
بينما كنت أضع الساعة، انزلق أصبعي دون قصد على العقارب العالقة، فسمعت صوتاً خافتاً…
تك.
نعم… تك واحدة فقط….
لم تتحرك بعدها، لكنها كانت كافية….. كافية لتخبرني أن لا شيء يموت بالكامل، حتى الزمن نفسه قد يمنحنا إشارة صغيرة تدلّنا أن الطريق لم ينتهِ بعد.
أغلقت العلبة بهدوء، لكنني ابتسمت، لأول مرة منذ سنوات، شعرت أن قلبي تحرّك، قد لا تكون الساعة عادت للحياة، لكني أنا عدت.
وهكذا كانت النهاية…
ليست نهاية الساعة المكسورة، بل نهاية نسرين التي توقفت في منتصف الطريق، وبداية شابة تعلمت أخيراً أن الزمن لا يُقاس بالعقارب، بل بالجرأة على المضيّ، مهما انكسرنا، ومهما توقف كل شيء من حولنا، أدركت أن كل لحظة تأخرت فيها عن مواجهة شعورها، وكل خفقة قلب تجاهلتها، لم تُلغِ الزمن، بل جمّدته داخلها.
لكنها اليوم شعرت بأن الساعات التي مضت ليست عقاباً، بل دروساً، تعلمت أن الوقوف أمام المرآة ليس مجرد رؤية انعكاس، بل مواجهة كل ما حاولت الهروب منه، الألم، الخوف، الفقد، وحتى الحب المفقود، الزمن الحقيقي ليس في العدّ أو الانتظار، بل في الخطوة الواحدة الصغيرة، في قرار أن نستمر رغم الشقوق التي نحملها، وفي كل خطوة، تنبض الحياة من جديد، لتخبرنا أن الكسر ليس نهاية، بل بداية أعمق، أشدّ، وأصدق.
تم نسخ الرابط





