قصة الغرفة رقم 214
قصة الغرفة رقم 214 ليست حكاية عادية، بل لغز يخفي أسراراً لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها، كل من دخل تلك الغرفة خرج مختلفاً أو لم يخرج أبداً.
قصة الغرفة رقم 214
كان الفندق ينهض بصمت عند أطراف المدينة، مبنى حجريّ قديم بلونه الرمادي المائل إلى الكآبة، واجهته المشقّقة تحكي سنوات طويلة من الإهمال، وصمته يشبه صمت مكان عُرِف أكثر مما يجب، كثيرون مرّوا من هنا، كثيرون غادروا، لكن شيئاً واحداً بقي محظور الحديث عنه إلا وهو الغرفة رقم 214، ليست مغلقة بأقفال ولا تملك أي لافتة تحذيرية، لكن الجميع يعرف أن بابها لا يُفتح، ليس لأنها ممنوعة بل لأنها “لا تفتح لأحد”.
كانت الإضاءة أمام الباب ترتجف كنبض ضعيف، كأن الضوء نفسه يخاف مما يوجد داخل تلك الغرفة ورغم أن الفندق يملكه رجل عجوز عاش فيه نصف حياته، فإنه لم يتجرأ يوماً على لمس مقبض ذلك الباب.
ـ وصول ريم إلى الفندق
في مساء بارد، دفعت ريم باب الفندق الخشبي العريض كانت في منتصف دراستها الجامعية، تعمل على مشروع بحثي حول “الهندسة النفسية وتأثير الأماكن القديمة على وعي الإنسان”، كانت تحتاج إلى مكان يحمل تاريخاً، وربما يحمل شيئاً آخر شيئاً مخفياً.
استقبلها موظف الاستقبال، رجل خمسيني بملامح شاحبة حاول أن يبتسم، لكنها لاحظت أن التعب يسكن عينيه، قالت: مساء الخير، بدي غرفة لليلتين لو سمحت.
فتح الرجل سجلاً قديماً، قلّب صفحاته الصفراء، ثم قال: في عنا الغرفة 210 جاهزة بالطابق الثاني.
سألته ريم بحماس: تمام بس إذا في مجال تعطيني غرفة بأي مكان بنفس الطابق بدي صوّر كل التفاصيل للمشروع.
رفع رأسه بسرعة، وكأن طلبها صدمه، قال بصوت منخفض: أكيد… بس بعيداً عن الغرفة 214.
قطّبت ريم حاجبيها: ليش؟ شو قصتها؟
ارتبك الرجل قليلاً: ولا شي غرفة قديمة وما منستخدمها، بس بفضّل تبعدي عنها.
أخذت المفتاح وصعدت للطابق الثاني، وهي تُسجّل ملاحظة ذهنية: هناك شي غريب في هذا المكان، أول مواجهة مع الغرفة المحرّمة كان الممر في الطابق الثاني شبه مظلم، تتراقص أضواؤه كأنها مكسورة الحيطان الباهتة تشبه أوراقاً شاخت على مهل، ورائحة الرطوبة كانت طاغية.
وبينما تتقدم ريم نحو غرفتها، لمحَت باب الغرفة 214 مفتوحاً قليلاً رغم أن الموظف قال إنه مغلق منذ سنوات….
اقتربت أكثر، وضغطت بخفة على طرف الباب، وما إن لامسته حتى انغلق فجأة بقوّة، وكأن أحداً سحبه من الداخل.
تجمدت ريم في مكانها لكن عقلها المنطقي قال: تيار هواء شي طبيعي.
دخلت غرفتها، وبمجرد أن جلست على السرير لتفتح اللابتوب، بدأ صوت غريب
خبط منتظم على الجدار المشترك مع الغرفة 214.
خبط… ثم توقف، خبط… ثم توقف، كأنه إيقاع لرسالة واضحة.
وضعت ريم أذنها على الجدار، كان وراء الجدار… همس صوت خافت، ليس صوتاً طبيعياً، بل أقرب إلى بكاء مكتوم أو كلمات غير مكتملة.
ارتفعت أنفاسها، هل يسكن الغرفة أحد؟ أم أنها تسمع شيئاً آخر؟ مع منتصف الليل، سمعت خطوات في الممر، فتحت باب غرفتها ونظرت، الممر كان فارغاً لكن باب الغرفة 214 كان مفتوحاً.
هذه المرة… أكثر من قبل أغلقت ريم بابها بعصبية، ونامت بصعوبة، يرافقها شعور بأن شخصاً ما يراقبها.
ـ البحث عن الحقيقة… في صباح اليوم التالي، نزلت إلى الاستقبال وهي مصرة أن تعرف الحقيقة.
“لو سمحت… أنتو متأكدين إنو الغرفة 214 ما بيسكنها حدا؟”.
سألت ريم بثقة.
تنهّد الرجل، وكأنه تعب من تفادي السؤال.
قال: “أنا بنصحك تكمّلي شغلك وتمشي… هالغرفة ما بتناسب الفضول”.
هذا جواب لم يزدها إلا إصراراً، فبعد الإفطار، صعدت للطابق الثاني بكاميرتها، وبدأت توثّق كل زاوية في الممر، وعندما وصلت إلى باب الغرفة 214، التقطت صورة… لكن الكاميرا تجمّدت، و الشاشة أظلمت ثم عادت الصورة مشوّهة، كأن شيئاً مرَّ أمام العدسة بسرعة، وبينما كانت تراجع الصورة، سمعت صوتاً ناعماً يأتي من داخل الغرفة: لا تصوّري.
سقطت الكاميرا من يدها كان الصوت أنثوياً أقرب إلى أن يكون صادراً من شخص لم يعد قادراً على الكلام بشكل طبيعي، هربت ريم إلى الأسفل وهي ترتجف.
ـ القصة التي دفنها الزمن: عندما وصلت إلى الاستقبال، واجهت الموظف: ما بدي لف ودوران، شو صاير بهالغرفة؟”
نظر إليها بأسى، ثم قال: “تمام بس إذا سمعتِ القصة، وعديني ما ترجعي تطلعي لهنيك”.
لم تجبه، لكنها استمعت.
قال الرجل: من عشرين سنة أجت عيلة صغيرة، أم وأب وبنت عمرها 12 سنة اسمها ميرا سكّنوا في الغرفة 214 عدة أيام، وآخر ليلة صار شي غريب، البنت صارت تصرخ، والناس سمعوا أصوات برا الغرفة ولما وصلنا… الباب كان مفتوح الأب والأم اختفوا كأنهم تبخروا ما لقينا إلا ميرا قاعدة على الأرض، وشعرها معجّق، وعم تضحك ضحكة ما بتشبه ضحكة الأطفال.
سألته ريم بخوف: وشو قالت؟
حكالها: ما كانت تحكي إلا جملة وحدة الغرفة ما بدها حدا غيري.
سألتهُ: وينها هلق؟
أخدوها على مستشفى نفسي وبعد فترة، انقطعت أخبارها.
ارتجفت ريم بصمت، لكن شيئاً بداخلها قال إن القصة ناقصة وأن الغرفة ما زالت تنتظر أحداً آخر.
الليلة الحاسمة: عند منتصف الليل، حملت ريم كاميرتها وخرجت، كانت اللمبة فوق الغرفة 214 يومض ضوءها بشكل غريب، كأنه يتنفس…
مدّت يدها نحو الباب وفتح من تلقاء نفسه.
الغرفة كانت باردة بشكل غير طبيعي الهواء ثقيل، والرائحة تشبه الرطوبة الممتزجة بحزن قديم على الجدار المقابل، رأت ريم ما جعل قلبها يتوقف: أسماء محفورة مع تواريخ اختفاء،
و آخر اسم ريم 2025.
لم تكن قد دخلت منذ دقائق فكيف كُتب اسمها؟
قبل أن تفهم ما يجري، شعرت بوجود خلفها استدارت كانت هناك فتاة صغيرة، وجه شاحب عينان سوداوان بلا قزحية ابتسامة مكسورة، قالت بصوت طفوليّ متداخل مع صدى غريب: أنتِ دخلتي غرفة بتحب القصص الجديدة.
تراجعت ريم: أنا، أنا بدي أطلع.
تقدمت الفتاة خطوة، ثم همست: الغرفة ما بتسمح… إلا إذا عطيتها شي، عطيها قصتك”.
نظرت ريم نحو الكاميرا على الأرض، فهمت.
رفعتها بيد ترتجف، وقالت:
خدي هاي كل صوري، كل ملاحظاتي كل شي سجلته”.
سقطت الكاميرا على الأرض، انطفأ الضوء فجأة وما عاد يُسمع شيء، وعندما عاد الضوء اختفت الفتاة واختفت الأصوات
واختفى كل أثر للحفر على الجدار.
الغرفة أصبحت عادية، كأنها لم تعرف قصة من قبل، خرجت ريم مسرعة، وهي تبكي دون صوت، وعندما خرجت ريم من الفندق، شعرت وكأن الهواء الخارجي مختلف أخف، لكن مثقَل بشيء مجهول مشت خطوات قليلة قبل أن تلتفت نحو المبنى القديم كانت النوافذ مظلمة، إلا نافذة واحدة في الطابق الثاني نافذة الغرفة 214، كان ستارها يتحرك رغم أن الهواء ساكن تماماً، تجاهلت الأمر وأكملت طريقها، لكن شيئاً بداخلها كان يهمس بأن القصة لم تنتهِ.
في المساء، وبينما كانت في طريق العودة للمدينة، وصلتها رسالة على هاتفها رقم غير معروف فتحتها بتردد، لتجد صورة صورة التقطتها داخل الغرفة، لكنها لم تعد تملك الكاميرا أصلاً الصورة كانت لها، واقفة في منتصف الغرفة، وخلفها ظل الفتاة الصغيرة يبتسم ابتسامة مشقوقة.
أسفل الصورة مكتوب: ما رح ننسى قصتك… بس لسا ناقص جزء أخير.
ارتجفت ريم، فهمت عندها الحقيقة القاسية: الغرفة لم تأخذ قصتها بل بدأت تكتبها.
تم نسخ الرابط





