قصة الهدية المجهولة
قصة الهدية المجهولة تبدأ بلحظة غريبة صندوق صغير وصل بلا اسم ولا عنوان، لكنه كان الشرارة الأولى لحكاية قلبين جمعن بين الصدفة والفضول وبداية ما حدا توقّعها.
قصة الهدية المجهولة
من يومها الأول، ما كانت ريما تشبه غيرها من البنات، يمكن لأن حياتها كانت دائماً بين الشغل والبيت، أو يمكن لأنها كانت من النوع يلي قلبه كبير بس ما بيبين مشاعره بسهولة، كانت تشتغل بمكتبة صغيرة بالمدينة القديمة، مكان ريحته ورق وحبر، وهدوءه يشبه روحها، كل يوم كانت توصل قبل الكل، تفتح الباب الحديدي القديم، تكنس المدخل، وترتّب الكتب الجديدة على الرفوف وكأنها عم ترتّب عالم كامل.
هداك الصباح، كان أهدى من العادة شتوة خفيفة عم تدق على الزجاج، وريحة المطر داخلة من الباب كل ما يفتحه هوا لما وصلت ريما، شافت شي ما كان موجود مبارح صندوق صغير محطوط قدام باب المكتبة، ملفوف بورق بني وعلى زاويته في ربطة حمراء أنيقة.
انكمش قلبها شوي مين بيترك هدية قدام باب مكتبة؟ ولمين؟ وليش؟
مسكت الصندوق، قلّبت فيه وما لقت أي ورقة، ولا اسم مرسل بس ربطة حمراء وورق ملفوف بشكل مرتب فتحت الباب ودخلت وفكرت: يمكن حدا نسيه هون أو يمكن غلطان بالمكان.
حطّت الصندوق على الطاولة وخلعت معطفها للوهلة الأولى حاولت تتجاهله وتكمل ترتيبها الصباحي، بس عينها كانت عم ترجع عليه كل شوي الفضول عم يقرصها قرص.
وأخيراً، بعد دقايق ما قدرت تتحمل، قربته وفتحتو ببطء جوا، كان في كتاب قديم نسخة نادرة من عزازيل، ريما كانت بتحب الرواية وقرأت عنها كثير، بس ما كانت تملك نسخة أصلية قربت الكتاب من صدرها وابتسمت بدون ما تعرف ليش كانت الهدية مدروسة، وكأن الشخص يلي جابها بيعرفها منيح بيعرف شو بتحب وشو بيلفتها.
بس كيف؟ ومن وين؟ وليش ما ترك اسمه؟
بهاليوم ما قدرت ريما تركّز كل ما يمرّ زبون كانت تطلع للباب كأنها ناطرة حدا يفوت ويقول: عجبِتك الهدية؟
بس ما حدا أجا
مرّ أسبوع كامل، ريما كانت ماسكة شغلها عادي، بس عقلها ما كان عادي كل يوم تفتح الباب الصبح وتطلّ على العتبة يمكن في هدية جديدة، يمكن في ورقة بس كان كل شي فاضي.
لحد يوم الخميس، رجعت شافت صندوق تاني أصغر من الأول، لكنه ملفوف بنفس الورق البني ونفس الربطة الحمراء.
ارتجفت أصابعها وهي تلتقطه، مو معقول… مو صدفة!
دخلت بسرعة وفتحته كانت جواه ميدالية صغيرة على شكل كتاب، معمولة بإتقان، وعلى ظهرها محفور حرف R كانت هاللحظة نقطة التحوّل.
مو بس لأنه في حدا عم يتابعها، بل لأنه عم يختار لها الأشياء يلي بتمس قلبها وكأنو عم يقول: أنا شايفك، بس مين؟
بدأت ريما تراقب كل وجوه الزباين، كل المارين قدام المكتبة، كل حدا بوقف لحظة قدام الباب كانت عيونها تسأل: يمكن هو؟
وكان في شاب واحد يلفت نظرها دائماً شاب طويل، من النوع الهادئ، كل أسبوع يجي يشتري كتاب واحد، دائماً مبتسم، وكأنو مستعجل بس بنفس الوقت مستمتع باللحظة اسمو مروان، من زمان بيجي عالمكتبة، بس ما كانت تفكر فيه غير كزبون لطيف.
بيوم من الأيام، دخل مروان وكانت ريما فقدت تركيزها كلياً لمح الميدالية يلي معلقة برقبتها وسأل: حلوة… من وين جبتيها؟
ارتبكت وقالت: هدية.
ابتسم ابتسامة صغيرة فيها شي غريب وقال: محظوظة واضح أنو يلي جابها بيعرف شو بيليق فيكي هون، ارتبك قلبها أكتر.
هل كان عم يلمّح؟ ولا مجرد صدفة بهالكلام؟
مرت الأيام، وبلشت الهدايا تصير عادة كل يومين أو ثلاثة، تلاقي شي صغير وردة واحدة مربوطة بنفس الشريط الأحمر، كتاب نادر، رسالة قصيرة ما فيها اسم بس فيها جملة بتشبه أسلوب شخص بيعرف كيف يختار كلماته.
أقوى رسالة وصلت كانت مكتوبة بخط مرتب: بشوف فيكِ الشي يلي العالم ما بتشوفه وبحب طريقة صمتك قبل كلامك.
هالجملة ما قدرت ريما تطلع من راسها صار عقلها يدور حول احتمال واحد: مروان.
كانت عم تشوف كيف ينظر لها من بين الرفوف، كيف يبتسم لما تلاقيه بالصدفة، وكيف صارت زياراته للمكتبة أقرب من قبل.
بس هل هو؟ ولا هي عم تبني سيناريو براسها؟
ليلة خميس، كانت ريما عم ترتّب الرفوف قبل الإغلاق، فسمعت صوت خفيف عند الباب راحت بسرعة، ولقت ورقة صغيرة منزلة من تحت الباب.
فتحتها، اتطلّعي بكرة على الساعة خمسة رح تعرفي كل شي.
ارتجف قلبها، كان في جزء منها خايف، وجزء متحمس، وجزء تاني مو قادر ينام من الفضول.
أجا اليوم التالي، الساعة خمسة إلا خمس دقايق كانت واقفة عند باب المكتبة، قلبها يدق وكأنو رح يطلع من صدرها، الشارع هادي، والمطر خفيف، والمارة قليل.
5:00،
5:01،
5:03،
وهي واقفة متلبكة… فجأة شافت حدا واقف من بعيد، حامل بيده علبة ملفوفة بنفس الورق البني، كان واقف تحت عمود ضو، والضو واقع على ملامحه.
اقترب…
وما كان غير مروان.
وقف قدامها، ودمعة توتر طلعت بعينها بدون ما تنتبه، ابتسم وقال: ما توقعت تتوقعي بس كنت بتمنى تعرفيني قبل ما أحكي.
مدّ العلبة باتجاهها، هي آخر هدية… بعدها بدي احكي الحقيقة.
فتحتها بإيدين يرجفن،
كان جواها دفتر صغير، مكتوب على أول صفحة: من أول يوم دخلتِ قلبي صرتِ أنتِ حكايتي.
رفعت عينيها عليه، وهو كان واقف بحياء غريب على شاب بثقته دائماً عالية وقال بهدوء: أنا كنت خايف أحكي ما كنت بدي قرب منك بطريقة مباشرة وأخسرك، فقلت خلي الهدايا تحكي عني كل كلمة، كل كتاب كان اختياري إلك، سكت لحظة وكمل: أنا بحبك يا ريما.
كانت واقفة ومشاعرها مختلطة خوف، دهشة، ابتسامة طالعة غصباً عنها،
ما قدرت ترد فوراً، بس عيونها كانت كافية،
فقال بهدوء: إذا بدك وقت، أنا بستنّى… متل ما استنيت كل هالفترة.
هي نظرت للدفتر، للرسائل، لكل شي حسّته خلال الأسابيع الماضية…
وقالت بصوت منخفض: يمكن… يمكن أنا كمان قلبي كان عم يميل… بس كنت خايفة.
ابتسم وقال: الخوف طبيعي… بس أنا هون، إذا بتسمحيلي، نبدأ صفحة جديدة.
كانت واقفة تحت المطر الخفيف، والهدايا كلها قد ما كانت مجهولة صارت هلأ معروفة، واضحة، وصريحة، “مروان” ما كان مجرد معجب كان رجل اختار يعرفها بصمت، يحبها بنعومة، ويقرّب منها بدون ما يضغطها.
رفعت عيونها فيه وقالت: خلينا نجرب يمكن هالقصة تستحق تُكتب، ابتسم، والابتسامة كانت أصدق هدية ممكن توصلها، ومن يومها… ما عاد في هدية مجهولة، صار في علاقة واضحة، خطوة بخطوة، مبنية على اهتمام حقيقي، صدق، وصبر…
وقلبين كانوا مفكرين أنو الحب بعيد، لاقوه قدام باب مكتبة صغيرة بمنتصف المدينة.
ومع مرور الأسابيع، صارت علاقتهم تكبر مثل ورقة كتاب تنقلب على هدوء، من غير ضجة بس بثبات، صار جواد يمرّ كل يوم بعد الشغل، يساعدها بترتيب الرفوف، يجيب معها قهوة، ويسمعها وهي تحكي عن يومها وتعبها وأحلامها الصغيرة وصارت ريما تحس، لأول مرة من سنين،أنو في حدا شايفها فعلاً مو بس كموظفة مكتبة، بل كروح كاملة، وكل ما يتذكروا بدايتهم الغريبة، كانوا يضحكوا: كلو من هالورق البني والربطة الحمرا!
وهون فهمت ريما أنو أجمل القصص ما بتبدأ بصوت عالي بتبدأ بصندوق صغير أمام باب مكتبة.
تم نسخ الرابط





