قصة حبيب غريب، صديق قريب الجزء الأول
لطالما كانت الحياة غريبة تجعلُ حبيبٌ غريب، صديقٌ قريب، هكذا تُولد العلاقات التي تجمع بين الدهشة والأمان والخيبة والثقة.
قصة حبيب غريب، صديق قريب
في حياة كلّ إنسان، هناك شخص يدخل فجأة دون موعد، يربك التفاصيل، ويغيّر إيقاع الأيام، تظنّه عابر سبيل، فإذا به يصبح وطناً لمشاعرك، وسكناً لروحك، لم يكن صديقاً فحسب، ولا حبيباً تماماً، بل كان شيئاً بين الاثنين غريباً حدّ الألفة، وقريباً حدّ البعد في كل نظرة، كان هناك وعد لا يُقال، وفي كل صمت، حكاية لا تنتهي.
هذه ليست قصة حب عادية، بل حكاية عن قلبٍ تاه بين صداقةٍ بريئة وحبٍّ خجول، بين خوف الفقد ورغبة البقاء.
مايا فتاة يملؤها النقاء من أطراف قلبها حتى عمق روحها، طيوبةٌ تجعل من حولها يبتسمون دون سبب، وقوةٌ تخفي خلفها كلّ انكسار مرّ عليها كانت تدرس في كلية السياحة، وتحلم أن تُعرّف الناس على جمال بلادها وتاريخها العريق، عاشت عمرها وهي تظن أن الحبّ حكاية لا تخصّها، وأن قلبها ليس سهل الانكسار إلى أن التقت سالم.
كان سالم شاباً طموحاً، يدرس معها في الكلية نفسها، يضحك بخفّة ويعرف كيف يجعل الكلمات تبدو صادقة حتى وهي مزيّنة بالمبالغة جذبها إليه من اللحظة الأولى التي تحدثا فيها، ليس لأنه وسيم فقط، بل لأنّه كان يشبه الحلم الذي لم تكن تعرف أنها تريده، ومع الأيام صار بينهما حديثٌ يومي، وابتسامةٌ تنتظر الأخرى، حتى أصبحت مشاعرها تُترجم في صوته.
أحبّها سالم بصدق أو هكذا ظنّت، وكان يردد لها أن حضورها يشبه النسمة التي تريح قلبه المرهق لكنّ الأحلام لا تُروى دائماً كما نريد.
فنحنُ نعلم إنَّ الأحلام تبقى أحلام، ودروس الحياة لا تنتهي، الحياة لا تبقى ثابتة فلابد أن انتقال سالم إلى المدينة المجاورة تركَ جفوةً كبيرة بينهُ وبين مايا، بعد أن آنهى سالم جامعتهُ وتخرجَ من الكلية وبسبب أوضاعهِ المادية السيئة اضطرّ لـ الانتقال إلى مدينة أخرى بعد أن حصل على وظيفة في إحدى الشركات المشهورة بمجال السياحة، ودعَ مايا بالكثير من الوعود على أنه سيعود يوماً، وأنّ المسافة لن تسرق ما بينهما، كانت تصدّقه، وتكتب له الرسائل كل مساء، تُخبره كم تفتقده وكم تنتظر سماع صوته.
لكن شيئاً فشيئاً، تغيّر الصوت الذي كانت تعرفه لم يعد سالم نفسه صار يردّ متأخراً، ويتحدث ببرود، حتى أنّ كلماته صارت غريبة كوجهٍ لم تعد تعرفه، لم تفهم ما الذي تغيّر حتى علمت أن المساعد الخاص به مَرِضَ، وأن فتاة جديدة جاءت لتعمل معه.
سلوى، فتاةٌ شقراء بشوشة الوجه، تعرف تماماً كيف تسرق الانتباه وتترك أثراً في المكان اقتربت من سالم بخفة أنثى تعرف ما تفعل، ومع الوقت أصبح وجودها جزءاً من يومه حتى صار حبّه لمايا شيئاً باهتاً في ذاكرته.
مرت الأيام، وبدأت مايا تشعر بالخذلان يتسلل إلى قلبها تتألم بصمت، تخفي وجعها خلف ابتسامة صلبة، وكأنها تقول للعالم إنها بخير لكنّها لم تكن كذلك كل شيء فيها كان يصرخ، إلا صوتها الذي قرر أن يصمت.
في تلك الفترة، كان هناك محمود صديقها المقرّب منذ أيام المدرسة، الشاب الذي كان يعرف تفاصيلها الصغيرة، ضحكتها حين تفرح، ونظرتها حين تتألم لم يكن صديقاً عادياً كان حبّها الأول الذي لم تصدق أنه يمكن أن يحبها حقاً، فخبأ مشاعره طوال السنين خوفاً من خسارتها. ومع كل وجع مرت به، كان هو الظل الذي يرافقها دون أن يطالبها بشيء.
حين سقطت مايا في وجعها، كان محمود أول من مدّ يده لم يسألها لماذا تبكي، لأنه كان يعرف السبب قبل أن تنطق جلس إلى جانبها في صمت، يشاركها الحزن كما لو أنه حزنه هو حاول أن يذكّرها بنفسها القديمة، تلك الفتاة القوية التي لا تنكسر مهما اشتدّت الريح.
وبينما كانت مايا تحاول تجاوز خيانة سالم، كان محمود يرمم ما تهدّم بداخلها بكلمةٍ، بضحكةٍ، بحضورٍ صادقٍ لا يُشبه أحداً كان يعرف أن الحب الحقيقي لا يُقاس بالوعود، بل بالثبات حين يرحل الجميع ومع مرور الوقت، بدأت مايا تشعر أن قلبها الذي انكسر لم يمت بعد، بل وُلد من جديد في مكانٍ أكثر أماناً.
يُتبع…..
تم نسخ الرابط





