ما هي قصة عيسى عليه السلام بشكل مختصر
قال تعالى: “إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ”، فما هي قصة عيسى عليه السلام؟
قصة عيسى عليه السلام
إن عيسى بن مريم من نسل آل عمران وداود عليه السلام، وهو من أولي العزم من الرسل، وآخر الأنبياء الذين خرجوا من بني إسرائيل، ولم يفصل بينه وبين رسول الله محمد (صلى الله عليه وسلم) نبي آخر، وروى عبد الرحمن بن مل النهدي أبو عثمان في صحيح البخاري: “عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: فَتْرَةٌ بيْنَ عِيسَى ومُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عليهما وسَلَّمَ، سِتُّ مِئَةِ سَنَةٍ”، وتشتمل قصته على الكثير من المعجزات والأحداث.
وسمي عيسى بالمسيح لقوله تعالى في سورة آل عمران الآية رقم 45: “اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ”، وجاء في كتاب “تفسير القرآن الكريم” (لمحمد إسماعيل) المقدم بالمكتبة الشاملة أن كلمة المسيح لها عدة معاني، فالمسيح هو ذو الأقدام الممسوحة، أو كثير التنقل والترحال، وذكر موقع “الإمام ابن باز” أن سبب تسمية عيسى بالمسيح أنه كان يمسح على الأكمه والأبرص فيعافيهم الله.
حمل مريم بعيسى عليه السلام
والدة عيسى هي مريم بنت عمران، قال الله تعالى في سورة التحريم الآية رقم 12: “وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ”، فقد نشأت مريم في عبادة الله وكانت تعتكف طوال الوقت في محرابها، فاصطفاها الله لتقواها، ورزقها من فضله ومنّ عليه بآياته، لقوله تعالى: “وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ” سورة آل عمران الآية رقم 42.
فبينما كانت مريم في خلوتها تناجي ربها متوارية عن أنظار الآخرين، ظهر أمامها جبريل متمثلاً في صورة رجل حسن المظهر، فاستعاذت بالله منه، إذ ظنت أنه يريد بها سوءً، لكنه أخبرها بأنه مُرسل من رب العالمين ليُبشرها بأنها سوف تُرزق بولد سيكون نبياً، ولما استنكرت مريم ذلك لأنها لم تخالط أي من الرجال، سواء من خلال الزواج أو الوقوع في الفاحشة، أخبرها أن حملها آية من رب العالمين ودلالة على قدرته، قال تعالى:
“وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً * فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً * قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً * قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ۖ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا ۚ وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً”سورة مريم الآيات من 16 إلى 21.
ولادة عيسى عليه السلام
عندما بدأ حمل مريم في الظهور، توارت عن أعين الناس خشية اللوم أو الاتهام، فذهبت إلى مكان بعيد حتى جاءها ألم المخاض (الولادة)، قال تعالى: “فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً” الآية رقم 23 من سورة مريم، فبينما كانت تضع مريم مولودها، فكّرت فيما سيقوله قومها عنها وتمنّت الموت حينها.
لكن كانت المعجزة أن نطق مولودها عيسى وهدّأ من روعها فطلب منها ألا تحزن وأن تشرب من النهر أجرى الله لها ماؤه وأن تهز جذع النخلة الذي أنبته الله لها، فينزل عليها التمر فتأكل، فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما:
“ضرب جبريل عليه السلام ويقال: ضرب عيسى عليه الصلاة والسلام برجله الأرض فظهرت عين ماء عذب وجرى، وقيل أيضاً: كان هناك نهر يابس أجرى الله سبحانه وتعالى فيه الماء وحييت النخلة اليابسة، فأورقت وأثمرت وأرطبت”، وهكذا وُلد عيسى بن مريم في بيت لحم بفلسطين من أم فقط بدون أب، ليكون ذلك دلالة على عِظم قدرة الله عز وجل.
وعندما عادت مريم إلى قومها وهي تحمل ابنها عيسى، ظنوا أنها أنجبته سفحاً، فاستنكروا ذلك قائلين إنها كانت تماثل هارون عليه السلام في ورعه وتقواه وإن أمها لم تكن زانية، لكنها لم تُجب لصومها، بل أشارت إليه، وهنا تعجب قومها، وسألوها كيف يتكلمون مع طفل في المهد، ولكن أنطقه الله ثانية مثلما أنطقه بعد ولادته.
قال تعالى: “قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً * وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً * ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ۚ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ” سورة مريم الآيات من 30 إلى 34.
الاختلاف في أمر عيسى عليه السلام
قال الله عز وجل في سورة مريم الآية رقم 37: “فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ ۖ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ”، فقد اختلف بنو إسرائيل في أمر عيسى بن مريم، إذ أفضت طائفة من اليهود إلى أنه وُلد نتيجة وقوع أمه في الفاحشة والعياذ بالله، وقالت أخرى إنما هو الله، وأخرى أقرت بأنه ابن الله، بينما آمنت به وبكونه عبد الله ونبيه طائفة منهم كما جاء في “تفسير الطبري”، وهؤلاء هم الناجون من عذاب يوم القيامة.
روى عبادة بن الصامت في صحيح مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “مَن قالَ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ له، وأنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورَسولُهُ، وأنَّ عِيسَى عبدُ اللهِ، وابنُ أمَتِهِ، وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ منه، وأنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ، وأنَّ النَّارَ حَقٌّ، أدْخَلَهُ اللَّهُ مِن أيِّ أبْوابِ الجَنَّةِ الثَّمانِيَةِ شاءَ، وفي روايةٍ: أدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ علَى ما كانَ مِن عَمَلٍ، ولَمْ يَذْكُرْ مِن أيِّ أبْوابِ الجَنَّةِ الثَّمانِيَةِ شاءَ”.
وجراء ذلك الاختلاف حملت مريم ابنها خشية أن يقتله اليهود، وذهبت به إلى مصر بصحبة يوسف النجار الذي كان يرافقها في المحراب، فمكثت هناك اثنتي عشرة سنة تُخفيه عن الأنظار، ثم عادت به بعد ذلك إلى الناصرة بفلسطين، ولذلك سُمي قوم عيسى بالنصارى، نسبة إلى هذه القرية.
نبوة المسيح عيسى بن مريم
اختلف العلماء في عُمر عيسى بن مريم عندما بعثه الله، فمنهم من أفضى إلى أنه بُعث منذ ولادته لأنه تكلم في المهد، ومنهم من أشار إلى أنه بُعث عندما بلغ الثلاثين من عمره.
واستناداً إلى ما ذكره موقع “دار الفتوى” (المتخصص في قصص الأنبياء) فإن الله عز وجل أرسل عيسى إلى بني إسرائيل، كي يدعوهم إلى الإيمان بالله، ويُبشرهم بمجيء محمد (صلى الله عليه وسلم)، وأنزل عليه أحد الكتب السماوية وهو الإنجيل، وفيه تحريم الربا وأكل لحم الخنزير، وكل ما يضر الجسم والعقل، كما أنه يشتمل على الفرائض مثل الصلاة والصوم وغيرها.
فكذبت طائفة من اليهود ما جاء به عيسى وآمنت طائفة وهم الحواريون لقول الله تعالى في الآية رقم 14 في سورة الصف: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ”.
فكانوا ينشرون الدعوة، ويُعلمون الناس تعاليم الشرع ويرشدوهم إلى الخير، فساروا على هدي عيسى عليه السلام وتعاليمه حتى بعدما رفعه الله إليه بحوالي مائتي عام، ولأنهم كانوا صادقين في إيمانهم ابتدعوا بدعة حسنة وهي الرهبانية (التجرد للعبادة والانقطاع عن شهوات الدنيا والزواج)، لكن بعد ذلك بدأ عدد الحواريين في التناقص بالتزامن مع كثرة من يعبدون عيسى عليه السلام (الذين حرّفوا ما جاء به من التعاليم الدينية).
قال تعالى في الآية رقم 27 من سورة الحديد: “ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ۖ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ”.
معجزات سيدنا عيسى
كان حمل مريم بعيسى عليه السلام معجزة، كذلك ولادته، ونطقه في المهد إذ كان يتحدث مثلما يتحدث البالغ العاقل، كما أيّد الله نبيه عيسى بن مريم بالعديد من المعجزات الأخرى فعندما كان ينفخ عيسى في تمثال صُنع من طين على هيئة طير، يصير طيراً حقيقياً، كما كان يشفي الأكمه (قيل الذي لا يُبصر ليلاً ويبصر نهاراً، وقيل الأعمى بشكل مطلق) والأبرص (البرص هو داء جلدي إن تمكّن من المريض تعذر الشفاء منه).
كذلك كان عيسى يُحيي الموتى، وقال أبو جعفر بن جرير الطبري في “تفسير الطبري” إن إحياء عيسى للموتى كان بدعائه لهم، إذ كان يدعو الله عز وجل فيستجيب له، وكان يُخبر قومه بما يتناولونه من طعام وشراب وأيضاً ما يدخرونه في بيوتهم، قال تعالى في الآية رقم 49 من سورة آل عمران:
“وَرَسُولاً إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ”.
ومن معجزات نبي الله عيسى عليه السلام المائدة، وقد سميت سورة المائدة في القرآن الكريم نسبة إليها، إذ أمر نبي الله الحواريين بالصيام لمدة ثلاثين يوماً، وعندما نفذوا ما أُمروا به، طلبوا من عيسى أن يطلب من الله إنزال مائدة عليهم من السماء، ليعلموا بها أن الله تقبل صيامهم، ويزيد اليقين لديهم، ويكون يوم نزولها عيداً، ويتناول منها الغني والفقير.
إلا أن نبي الله أبى، لأنه خاف ألا يشكروا الله عليها، ولا يؤدوا حقها، لكنهم أصروا على مطلبهم، وأمام إصرارهم ناجى عيسى ربه وطلب منه إنزال المائدة، وكان لهم ما سألوا، إذ أنزل الله لهم مائدة من السماء، ظل الناس ينظرون إليها وهي تهبط بين غمامتين وتدنو شيئاً فشيئاً، بينما كان عيسى يناجي ربه أن يجعلها رحمة وبركة وسلامة لا نقمة، فنزلت بين يديه وهي مغطاة.
فكشف عيسى عليه السلام الغطاء وهو يقول: “بسم الله خير الرازقين”، فكان بها سبعة أرغفة ومثلهم حيتان ورائحتها طيبة، وقيل كان بها رمان وثمار من الجنة وقيل خل حسب ما ذكر موقع “إسلام أون لاين” (المتخصص في علوم القرآن).
فلما أمر عيسى الحواريين أن يأكلوا منها، رفضوا إلا أن يأكل منها هو أولاً، لكنه أشار إلى أنها كانت مطلبهم، فدعى الفقراء والمرضى للتناول منها وكان عددهم حوالي ألف وثلاثمائة، فأكلوا، وشُفي من كان به علة أو مرض منهم، مما كان سبباً في أن يندم من رفضوا التناول منها في البداية، وأشار موقع “إسلام ويب” إلى أنه قيل إن المائدة كانت تنزل مرة كل يوم فيأكل منها الناس جميعاً أولهم مثل آخرهم، وقيل نحو سبعة آلاف كانوا يأكلون منها.
ثم بعد ذلك صارت تنزل يوماً بعد يوم، كما كان يُشرب حليب ناقة صالح عليه السلام يوماً بعد يوم، ولكن لأن الله عز وجل أمر عيسى عليه السلام أن يجعل المائدة فقط للفقراء والمحتاجين، شق الأمر على كثير من الحواريين وتحدث المنافقون منهم في أمرها، فرُفعت ولم تعد تنزل ثانية، ومسخ الله المنافقين الذين تحدثوا عنها فجعلهم خنازير.
وفاة عيسى عليه السلام
قال الله تعالى في الآية رقم 55 من سورة آل عمران: “إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ”.
فقد ازداد اليهود في عنادهم وطغيانهم وأرادوا أن يكيدوا لنبي الله عيسى إذ كانوا يرون أن ما يقوم به من معجزات إنما هو سحر، فرفعه الله إليه، ووفاته هنا بمعنى نومه، أي أنامه الله عز وجل فذلك هو القول الراجح لأهل العلم.
فلما أراد اليهود قتل عيسى شبه الله لهم رجل آخر به فقتلوه، قال تعالى: “وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً * بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً” سورة النساء الآيتين رقم 157، 158، واختلفت أقاويل العلماء في هذه القصة، إذ أتت الاختلافات على الشاكلة التالية:
قيل خاف اليهود من وقوع الفتنة بعدما رفع الله عيسى، فجاءوا بشخص فقتلوه وصلبوه وأشاعوا بين الناس أنه المسيح، ولأن عيسى كان قليل الاختلاط بالناس، فما كانوا يعرفون شكله إلا قليل منهم، وقيل إن عيسى كان مع عشرة من الحواريين المقربين إليه، فقال لهم: “من يشتري الجنة بأن يلقى عليه شبهي؟ فرد واحد منهم: أنا”، فجعله الله شبيهاً لعيسى وقتله اليهود بينما رُفع عيسى إلى السماء.
كذلك قيل إنه كان هناك منافقاً من بين أصحاب عيسى ذهب إلى اليهود ليخبرهم عن مكان نبي الله ليقتلوه، فألقى الله الشبه على ذلك المنافق، فقتله اليهود وصلبوه، وقيل ألقى الله الشبه على من كان يحرس عيسى، ولما قتلوه كان يقول إنه ليس عيسى، والقول الأخير أنه عندما علمت اليهود بحضور عيسى مع أصحابه في بيت أحدهم، أمر رأس اليهود (يهوذا) صاحبه (طيطايوس) أن يدخل إلى نبي الله فيقتله، ولما دخل جعله الله شبيهاً لعيسى، فقتله اليهود وصلبوه.
فعيسى ابن مريم لم يمت ولم يصلب ولم يقتل، بل لا يزال حياً في السماء وسينزل إلى الأرض مرة أخرى في آخر الزمان لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية أبي هريرة بالصحيح المسند:
“ليس بَيْني وبَيْنَه -يَعْني عيسى- نَبيٌّ، وإنَّه نازِلٌ، فإذا رَأيْتُموه فاعْرِفوه، رَجُلٌ مَرْبوعٌ، إلى الحُمْرةِ والبَياضِ، بَيْنَ مُمَصَّرتَينِ، كأنَّ رأسَه يَقطُرُ وإن لم يُصِبْه بَلَلٌ، فيُقاتِلُ النَّاسَ على الإسْلامِ، (فيَدُقُّ الصَّليبَ، ويَقتُلُ الخِنْزيرَ، ويَضَعُ الجِزْيةَ)، ويُهلِكُ اللهُ في زَمانِه المِلَلَ كلَّها إلَّا الإسْلامَ، ويُهلِكُ المَسيحَ الدَّجَّالَ، فيَمكُثُ في الأرْضِ أرْبَعينَ سَنةً، ثُمَّ يُتَوفَّى فيُصَلِّي عليه المُسلِمونَ”.
واختلف العلماء في تفسير قوله تعالى “وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚإِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ “سورة المائدة الآيتين 116 و117.
إذ أفضى بعض منهم إلى السؤال توبيخاً من الله لقوم نبيه عيسى، وذكر بعض آخر أن النصارى (قوم عيسى عليه السلام) أشاعوا بعدما رفع الله نبيه، أن المسيح كان قد أمرهم بعبادته وعبادة أمه مريم وليس عبادة الله عز وجل، وقال آخرون إن الله سيقول ذلك لعيسى يوم القيامة استناداً إلى رواية أبي موسى الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
“إذا كان يومُ القيامةِ دُعيَ بالأنبياءِ وأُمَمِهم ثم يُدعى بعيسى فيذكِّرُه اللهُ نعمتَه عليه فيقرُّ بها فيقولُ: يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك، الآيةُ، ثم يقولُ أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله فينكرُ أن يكونَ قال ذلك فيؤتى بالنصارى فيُسألون فيقولون: نعم هو أمرنا بذلك قال: فيطوَّلُ شعرُ عيسى عليه السلام فيأخذُ كلُّ ملكٍ من الملائكةِ بشعرةٍ من شعرِ رأسِه وجسدِه فيُجاثيهم بين يديِ اللهِ عز وجل مقدار ألفِ عامٍ حتى تُرفعَ عليهم الحُجَّةُ ويرفعُ لهم الصليبُ، ويُنطلقَ بهم إلى النارِ”.
وأما عن عمر عيسى عندما رفعه الله إليه، فإنه فهناك أربعة أقاويل أقر بها أهل العلم وهي:
أنه كان ابن ثلاثة وثلاثين عاماً استناداً إلى رواية أنس بن مالك في السلسلة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “يدخلُ أهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ على طولِ آدمَ ستينَ ذراعاً بذراعِ الملَكِ، على حُسنِ يوسفَ، وعلى ميلادِ عيسى، ثلاثٍ وثلاثينَ سنةً، وعلى لسانِ محمدٍ، جُرْدٌ مُرْدٌ مُكحلُونَ”.
والقول الثاني إن عمره كان أربعين، والقول الثالث إنه لبث في قومه مائة وعشرين عاماً ثم رُفع، بينما أشار القول الرابع إلى أنه رفع بعمر الثمانين، وعندما سينزل مرة أخرى سيعيش أربعين سنة وبذلك يكون عمره مائة وعشرين.
تم نسخ الرابط





