قصص واقعية حزينة ومعبرة من أرشيف سوريا

لا تنسَ أن الله كان معك، عندما كانت نيّتك طاهرة خالصة له، أياً ما كنت، فقد كُنت سوري وغيرك ليس مهم!، أشد قصص واقعية حزينة ستقرؤها اليوم.

قصص واقعية حزينة من أرشيف سوريا

قصة “من أرشيف الغوطة الشرقية في دمشق، ياسمينٌ مرصوص”

حينما بكى القدر لشدّة قسوته على أرض “الغوطة الشرقية”، اصفرّت وريقات الشجر ومالَ الياسمين حزناً، هذه الغوطة رَثت أطفالها في مشهدٍ مأساوي تعجز الألسنة عن وصفه.

حينما رقدوا بجثامينهم واحداً تلو الآخر، وكأنهم أرقاماً مرصوصة حِذاء بعضها البعض، ونحيب الأمهات الثكالى التي بقيت على قيد الحياة، أو التعبير الأدق على قيد الموت روحاً لا جسداً.

وقفت أم فاطمة، بجسدها الهزيل، وظهرها المنكسر، وعضدها الملتوي بعد فقدان شقيقها، قالت: الأمر يتطلب جبروتٌ من الله يأتينا حتى أعي ما حدث!.

أنا في غيبوبة الوعي، هل سأسمع صوت فاطمة يناديني لأعيد تشكيل ضفائر شعرها؟
أين هو أحمد وصوت ضحكاته حين ألاعبه؟.

آخر لحظة تحركت بها أجسادهم، حينما استيقظنا عند الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، نشعر بأن الصوت الذي صدح رغم أنه أضعف من بقية الأصوات التي اعتدناها أثناء القصف بالبراميل وغاز السارين وغيرها!.

إلا أنه مرعباً حدّ الارتعاش، ولكن ما كان عجيباً هو الثقل على صدورنا، ضيق التنفس وكأنما هناك شيء جعل جدران المنزل تضيق فجأة فتضغط بهذا على الضلوع.

فهمنا حينها، أنها اللحظة التي خفنا، وأننا سنصبح في عدّاد الموتى ما لم نتحرك، هذه المرة لم يكن القصف عبارة عن براميل تقع على رؤوس سكّان الغوطة، ولا قذائف مدفعية وغيرها، إنه قصف بالكيماوي…… ما يجعلك تقدّر قيمة الأوكسجين.

ما يجعلك تفهم أن الهواء الذي كنا نَزفره بتأفأف، كان سيكون ذا نفعٍ في هذه اللحظة لو أننا احتفظنا به داخل صدورنا… أو هذا ما يشعر به الإنسان عندما ينكمش العقل وتكبر الأمنيات حتى تتخطى الحدّ المعقول.

وقفتُ مكبلة اليدين، حائرة، أضع الأقمشة المبللة على أفواه الصغار، أحاول آلا أصرخ عليهم حتى يلتزموا التعليمات، مخافة أن يكون هذا آخر صوتٍ يسمعونه، ـ صوتي وأنا أوبخهم لشدة خوفي ـ حتى رأيت أخي ينكمش على نفسه، إذ لم يجد أية قطعة قماش!!.

ليتني قطّعت له من ملابسي، ليتني فهمت أنه سيتضرر كما الصغار، فليس كل امرئٍ بلغ الرشد بمنأى عن الموت، إذ أن الموت يُدرك الجميع ولا يوقفه سن.

ثم رأيت فاطمة وصوتها المتهدّج، يتوسلّني لأُنقذ ما تبقى من أنفاسها، تقول بغصةِ حلقٍ سمعتها حين نطقت: “ماما أنا ماعاد فيي، مافي هوا، عيوني غبّ…. غبّشوا يا أمي، بوس أيدك يا…. يا ماما”.

وقعت فاطمة وافترشت الأرض طريحة، ثم صرخ أحمد صرخةً دوى صوتها في قلوبنا لا آذاننا، دعوت أن يصل الموت أطراف أصابعي، ليلتقط روحي فما عدت أريدها….

لكنها بقيت…. بقيت حيث يبقى الجسد… بقيت حتى تموت كل يومٍ ألف ميتة، وتصنع في الجسد ندوباً على هيئة ذكريات، ذكريات تحمل كل شيء من رائحتهم، صورهم، ضحكاتهم، ونحيبي أنا.

قصة “دم السوري على السوري حرام”

كَيف نُدرك المنايا؟
بتقيؤ الروح أم تقيؤ الأحلام؟
من كان يحمل روحه على كفّه لهدفٍ وطني؟
أكنّا أحجار شطرنج، أم كان ما نفعله صحيح وما نسمو إليه حقيقي؟.

أنا المواطن محمد، سوري الجنسية وعسكري في صفوف الجيش العربي السوري… أكتب اليوم كلماتي وأنا أُمرر عقلي بين حدّي السيف متسائلاً!.

أي الطرفين على حق، هم أم نحن؟
تُرفع الشعارات وتقول أننا ندرأ عن أرضنا إرهاباً، وهم يقولون أنهم يُسقطون نظاماً طاغياً… حسناً، لكن النظام يقول أننا كنا أحياء، لم يكن بهذا الفساد الذي يستحق الإنقلاب… وبغض النظر أنا لا أكترث، إذ أنني استمع لأنين الناي وإن صَغُر، حينما يشكو ظلماً فأصدقه.

لكن… كيف بالإمكان تصديق النوايا والأهداف، أن تقوقعت داخل قشرةٍ خارجها يحمل عقلاً تكفيرياً، يندفع بأهداف تطهيرية عرقية باسم الله؟!.

داخل تلك القوقعة أُناسٌ آمنوا بحق القضية، وحق المظلوم في أن يتحرر من القيد، ولكن من وقف على المنبر ونادى مدّعياً قَصدهِ للمساعدة، يحمل أفكاراً تضطهد الجميع ولا تستثني أحداً.

وأنا هنا، أُعيد ترتيب المشاهد في رأسي، لأصل إلى نتيجةٍ… تلك النتيجة ورغم قساوتها، إلا أنها حقيقة، نحن وأنتم ضحايا، ضحايا الرؤوس الكبيرة.

الأطماع… الكراسي… يستخدموننا لنقيم الحدّ على بعضنا البعض وندفع الديّة حتى يعيش الكبار على غنائم الدماء والعرض والشرف.

أترى كيف يدفعوننا لقتلكم لأنكم استعتنم بالغرباء حتى تصلوا مبتغاكم؟
رغم أنني والله أحاول آلا استخدم سلاحي إلا للدفاع عن نفسي فلا أوجهه بشكلٍ عشوائي خشية تعرضي لمظلومٍ بينكم، مؤمنٍ بقضيةٍ مثلي ومحتار!!.

لكن كذلك أنتم، تقاتلونا لأن الكبار لدينا استعانوا بمن يشدّ الضرب عليكم ويأخذ حصّته “أرضاً” ثمناً لصواريخه، والمضحك المبكي، أننا وإن خالفنا، فإن قيمة أرواحنا رصاصةٌ تخترق أجسادنا الجائعة، تلك التي تعيش على “البطاطا والبيض”.

وإن تمردنا وجئنا لصفوفكم، لأصبحنا حجارة دومينو في إيادٍ أخرى غريبة تطمح لمصالحها، فلا يهمني إن كانت تقصد المساعدة حقاً، لكنها في النهاية ستنال من أرضنا، وسيأتي يوم نراها تُلقي التحية للأزرق كما هم من يتربعون على الكراسي في عهدنا.

فإن شاء القدر أن يحلّ بيننا، فسيكون الصلاح أن نكون يدً بيد ضد الغرباء… ضد الأطماع، وضد كل عقل يستثني أحد النُسج الملونة التي تزين سوريتنا.

ثم…. ها قد صدح صوت صواريخ قد وصلتنا منكم، لذا وقفت قليلاً عن الكتابة لأتفقد الأمور، وجدت صديقي يقول: “بلش الضرب متل كل ليلة”!!.

ثم تبع صوته، صوت المسؤول عنا يصرخ: “قوموا يلا الكل استنفار، اللي عندو مناوبة يبلش فيها فوراً حاج متل النسوان، أنتو زلم أنتو؟”.

ثم أردف صديقي قائلاً: ” طبيعي ما يضل فينا حيل لنمارس رجوليتنا بهالبلد، إذا رجوليتنا كلا مُقيدة بشروط، بتقول أنو لتكون زلمة لازم توقف بصفوف المدافعين عن الأرض بدون ما تفهم إذا كان الأعلام عم يشوه الطرف التاني وتكون بهالحالة ظالم مو مظلوم!.

طبيعي ما نكون زلم ونحن بنام جوعانين، بدون إجازة، بدون رواتب تغطي مصاريف الطريق، وإن فكرنا نهرب ونسافر لأنو مابدنا ولا طرف، بتلاقي حالك عم تعرض أهلك وكل سلالتك لذل المستلمين البلد، وهاد إذا لاقيت معك مصاري تغطي تكاليف السفر!!.

طبيعي ما نكون زلم لمّا يقيدوا أحلامنا ويحطونا على الجبهات وجوا الجعبات حتى نكون مُسيّرين بتوجيهاتهم وماخرح نعطي رأي أو نمتعض!.

وقد كان هذا آخر ما قاله صديقي حين نطق لسانه بالصدق، ولفظَ بعدها روحه شهيداً، يرقد بين يدي صاحب الأمانة، وهناك…. بالتأكيد سيعرف من كان على حق ومن لم يكن.

تم نسخ الرابط

هل كان المحتوى مفيداً؟

نعم
لا
شكراً لملاحظاتك.

فريال محمود لولك

الكتابة هي السبيل للنجاة من عالمٍ يسوده الظلام، ننقل بها سيل المعلومات لتوسيع مدارك القارئ المعرفية، أنا فريال محمود لولك، من سوريا، خريجة كلية التربية اختصاص معلم صف، وكاتبة منذ نعومة أظفاري، من وحي المعاناة وجدت في الكتابة خلاصي، ورأيت بها نور الله الآمر بالعلم والمعرفة، فاقرأ باسم ربك الذي خلق. فإن القراءة هي الطهارة لعقلك من كل جهل.
زر الذهاب إلى الأعلى