قصة رومانسية بعنوان “كان عمري وكنت فترة بعمره”
لم يكن حبه النابع من عينيه سوى انعكاس لمشاعري التي طالما أنهكت قلبي، كان شِعري وكنت شطر في قصائده، كان عمري وكنت فترة بعمره.
كان عمري وكنت فترة بعمره
“أحبك جداً، أشتاق لرؤيتك، كل عام وأنتٍ بخير” كانت هذه هي الرسالة الأولى التي استقبلتها من شخص كنت أظنه سيكون بجواري هذه الأيام لنتذكرّها سوياً وأنا أنظر إلى عينيه اللتين تشبهان أنهار العسل المُصفى.
ربما لم يكن هذا الشخص هو حب العمر كما يقولون، ولكنني أعترف أنه كان بداية شيء لم أعهده من قبل، رجفة القلب عند ذكر اسمه، بريق العين عن رؤيته، انتفاضة الوجدان، ارتباك، توتر، لهفة، اشتياق، حنين، مشاعر لم تطرق لقلبي باباً قبل أن أراه.
كنت أتساءل: هل هذا هو الحب؟ أن أشتاق إليه وهو أمام عيني، أن أود أناديه بأعلى صوتي وأُخبر العالم بأسره أنني أعشقه، ولكن صبراً أيها القلب، هل تعلم ما الذي يحمله لك؟ هل يبادلك الشعور ذاته؟ ليالٍ طوال قضيتها في حيرة وفكر لا ينتهي أملاً في أن يرتاح قلبي وينال مراده.
فقد كنت أحبه في صمت، ليس بيننا أي وسيلة للتواصل، حتى حانت نهاية العام، وبينما كنت أجلس في غرفتي أستعد للنوم قبل حلول منتصف الليل هرباً من أصوات الاحتفالات برأس السنة، فأنا لا أحب مثل هذه الترهات، فإذا بهاتفي يُصدر ضوءً خافتاً، يبدو أن أحدهم أرسل لي رسالة.
إنها رسالته الأولى، أتذكر تلك اللحظات جيداً، شعرت حينها أن قلبي يود الخروج من بين أضلعي مُعلناً أنه معشوق مثلما صار عاشقاً، نعم، أنا أحبه كثيراً، لم أفكر في هذا الوقت كيف حصل على رقمي أو أي من هذه الأمور التي تُعكر صفاء اللحظات ودفئها.
في الحقيقة لم أستطع النوم في هذه الليلة، بل واستمتعت إلى صخب الاحتفالات بالعام الجديد كما لو أنها بمثابة تهنئة لقلبي على بلوغه ما ينتظره منذ أشهر.
لم أُجب على رسالته في الليلة ذاتها ولكن ظل قلبي يرد عليها طوال ثلاث سنوات، أغرقته حباً موقنة أنه لا يزال يتذكره حتى الآن رغم مرور ما يزيد عن أربعة عشر عاماً على فراقنا.
لم يكن حبي الأول شخصاً عابراً، كنت أراه قنديل عتمة قلبي، مُرشدي في زحام أفكاري، وكل الأمان وقت الخوف، تحضر روحي بحضوري، ويغيب عمري بسفره، فقد كان من بلدة مجاورة ويعمل فقط في بلدتنا، فكان يختفي عن عينيّ بالأيام، لا أراه، يتألم فؤادي وينطفئ بريق روحي إلى أن يعود.
أدركت حينها ألا حياة لي بدونه، فقمت بتهيئة مستقبلي بأكمله وأنا على يقين بأنه سيكون شريك عمري، سألتحق بالجامعة التي يختارها، سأرتدي الملابس التي يحبها، وسأكون له كما يتمنى حتى وإن كانت هذه الأفعال لا تروق لي أو حتى لوالديّ.
كيف كنت أضع إحدى يديّ على عيني وأنا غارقة في حبه، بينما أُمسك يده باليد الأخرى، فأشعر أن العالم كله بين يديّ، كم كنت أتمنى أن أظل ممسكة بهذه اليد إلى اللحظة التي أكتب بها هذه الكلمات، لكن دائماً تأتي الرياح بما لا تشتهي الأنفس.
كنت أنسج مستقبلنا سوياً بخيوط عنكبوت هاجمتها رياح خفيفة فسارت سراباً، مَن هذه التي تراسله بينما يكون غارقاً في عينيّ يتحدث عما تنتظرنا من أيام حالمة؟
عندما سألته ببراءة قلب لم يعرف الحب قبله، أخبرني أنها أخته، لكن رائحة الخذلان حينها لامست قلبي، فما كان مني إلا أن حاولت التأكد من صحة كلامه، فوجدته صدق القول ولكن مع تعديل صغير، فهي خطيبته وليست أخته.
أأنت خاطب؟ لديك شريكة حياة تبني معها مستقبلك الحقيقي بينما أنا من ترسم معها ملامح حياة لن تكون حقيقة يوماً ما؟ لماذا؟ ولِما أنا؟
كانت المرة الأولى التي شعرت فيها بأن الأرض تهتز أسفل قدميّ، قلبي لا يحتمل الصدمة ولكن تظاهرت بالقوة أمام عدم اكتراثه بما فعل بي.
استدرت تاركة ورائي وعوده الهشة، وكلماته التي كانت تشبه فُتات الثلج، ما إن تلامسها أشعة الشمس تتلاشى، وأحلام نسجتها في مُخيلتي لن يراها قلبي أبداً.
أعترف أنني أخطأت في حق نفسي كثيراً، كيف أعطي لشخص أكثر مما يستحق وأود أن تكون النتيجة غير ذلك؟
كيف أبني حياتي ومستقبلي على وجود شخص وليس على أهوائي وما أطمح له؟
عندما أتذكر هذا الدرس الآن لا أشعر بوجع الخذلان، ولكن الندبة التي تركها ذلك الشخص في قلبي جعلتني لا أثق بأحد سواي وأن حياتي ملك لي وحدي لا ينبغي لأحد أن يكون سبباً في تحديد مسارها ومصيرها.
نعم كان عمري وكنت فترة بعمره، لكنني تجاوزت، عدتُ إلى الطريق الذي يستحق قلبي السير به لأجد في النهاية المستقبل الذي أستحقه، الحب الحقيقي الذي تُنسج خيوط مستقبله من فولاذ لها بريق يلمع إلى الأبد.
تم نسخ الرابط





