خاطرة كنت أَخاف من العقرب فلدغتني فراشة
ظننتُ أن الشرَّ يأتي صاخباً، وأنَّ الجمالَ لا يؤذي، حتى تعلّمتُ أن الوجعَ أحياناً يلبسُ ثوبَ الضوءِ، ويبتسمُ قبل أن يُميتَ… فإنني كنتُ أَخافُ من العقربِ فلدغتني فراشةٌ.
كنت أَخاف من العقرب فلدغتني فراشة
كنتُ أظنُّ أنّ الألمَ يأتي بملامحَ قبيحَةٍ،
بصوتٍ عالٍ، وخطواتٍ تُنذِرُ بالخطرِ قبلَ أن تقتربَ.
كنتُ أتهيَّأُ دائماً لِمواجهةِ السُّمِّ إن جاءني في زُجاجةٍ واضحةٍ،
وأَحتَمي منَ الأنيابِ، وأحسَبُ أنّ الخيانةَ لا تجرؤُ أن تلبسَ ثوبَ الضوءِ.
لكنَّها جاءتني تُحلِّقُ،
كَفراشةٍ خرجتْ من بينِ القصائدِ، تلمسُني بأجنحةٍ من عِطرٍ،
تقولُ كلاماً يُشبِهُ المطرَ، وتتركُ في رُوحي دفئاً يُشبِهُ الخلاصَ.
لم أكنْ أَدري أنَّ النورَ أيضاً يُخفي سُمّاً،
وأنَّ اللمسةَ الرقيقةَ قد تتركُ في القلبِ أثراً عميقاً لا يُرى.
كنتُ أَخافُ منَ العَقربِ، فَلَدَغَتني فَراشَةٌ.
ضَحِكتُ يومَها منَ المفارقةِ، ثمَّ بكيتُ لاحقاً من معناها.
إنَّ الأشياءَ لا تقتلُنا لأنَّها شِرِّيرةٌ دائماً،
بل لأنَّنا نظنُّها خيِّرَةً، فنُسلِّمُ لها قلوبَنا بثقةِ طفلٍ بينَ أذرعِ نصلٍ مُبتسِمٍ.
مضتْ سنواتٍ منذُ تلكَ اللَّسعةِ الجميلةِ،
وما زالَ جسدي يَحنُّ إلى سُمِّها كما يَحنُّ العَطشانُ إلى السّرابِ.
أُفكِّرُ فيها كلَّما رأيتُ فَراشةً تُداعبُ الضوءَ،
فأتذكّرُ كيفَ كانَ اسمُها موسيقى، وكيفَ تحوَّلَ النّداءُ إلى وجعٍ مُقيمٍ.
لم تَعتذرِ الفَراشةُ،
ولم أستطعْ أن أكرهَها كما يَكرهُ المجروحُ قاتِلَهُ.
فكيفَ أكرهُ الضوءَ إن أحرقَني؟ وكيفَ ألعنُ الوردَ إن جرحَني بشوكِهِ؟
إنَّ الخيانةَ، حينَ تأتي من يدٍ أحببناها،
تصيرُ نوعاً من العبادةِ المؤلمةِ،
نُقدّسُ فيها الذِّكرى كما لو كانت خلاصَنا،
ونغفرُ لأنَّنا لا نَحتملُ فكرةَ أنَّ الجمالَ يمكنُ أنْ يخونَ.
منذُ تلكَ اللّسعةِ، صِرتُ أتعاملُ معَ الطيّبينَ كما أتعاملُ معَ النارِ:
أدفأُ بها، لكنْ لا أقتربُ كثيراً.
تعلّمتُ أنَّ الحذرَ لا يمنعُ الوجعَ،
وأنَّ بعضَ الجروحِ تبقى لأنَّنا لا نريدُ لها أن تَبرأَ،
نخشى أنْ تَشفى فَنفقِدَ آخرَ ما يربطُنا بمَن أحببنا.
كنتُ أَخافُ منَ العَقربِ، فَلَدَغَتني الفَراشَةٌ.
ومنذُ ذلكَ اليومِ، صِرتُ أبتسمُ لكلِّ ألمٍ قادمٍ،
فَرُبَّما في داخلهِ حياةٌ جديدةٌ،
ورُبَّما في لَسعَتِهِ خَلاصٌ من ذِكرى قديمةٍ.
لكنَّني، حينَ أرى فَراشةً تَمرُّ،
أُخفِضُ نظري…
ليسَ خوفاً منها،
بل احتراماً لِجُرحٍ علَّمني كيفَ يكونُ الحُبُّ سُمّاً إذا ازدهرَ.
تم نسخ الرابط





