كيفَ أكونُ أنا وأنا لستُ أنا؟
كيفَ أكونُ أنا وأنا لستُ أنا؟ سؤالٌ يتردد صداه في أعماق النفس، يتحدى الثبات ويكشف صراعات الهوية بين ذاتٍ مضطربةٍ ومرآةٍ لا تعترفُ بها.
كيفَ أكونُ أنا وأنا لستُ أنا؟
هذا السؤالُ العميقُ ينزلقُ في زوايا النفسِ كما ينسابُ نورٌ خافتٌ في ممرٍ مظلم، يوقظُ فينا تساؤلاتٍ قديمةً وجديدةً، عن تلكَ الهويةِ التي نعتقدُ أننا نحملُها، ونرتديها كالثوبِ الذي يحمي أجسادنا من بردِ الحياةِ وقسوتها، لكن، هل نحنُ حقاً ذلكَ الشخصُ الذي نراهُ في المرآةِ، أم أننا ظللنا نقفُ أمامَ انعكاسٍ مشوّهٍ، تتبدلُ ملامحهُ وتغيرهُ الأيامُ والذكرياتُ التي تجمعُنا مع ذاتنا القديمة؟
في تلك اللحظاتِ الحالكةِ التي يلتبسُ فيها الأمرُ، ويتبددُ الإحساسُ بالثباتِ، نجدُ أنفسنا نتأملُ في المرآة، نبحثُ عن ذاتٍ لم نعدْ نعرفُها، عن وجهٍ غريبٍ لا يحملُ طابعنا الحقيقي، ولا ينبضُ بما نؤمنُ به، ينظرُ إلينا هذا الغريبُ بعينين لا تلمعانِ إلا بالحيرةِ والضياع، كأنها تسألُنا: هل أنتَ من كنتَ؟ أم أنتَ الذي أوجدهُ الزمنُ من رمادِ الأمس؟
وهنا تتفتقُ في القلبِ صراعاتٌ كثيرةٌ، تارةً نُحسُّ أننا انكسَرنا، وطوراً نُدركُ أننا يٌعادِ تشكيلُنا من جديد، يُعادِ صنعُنا بحجارةِ الزمنِ المُتغيرةِ التي لا ترحمُ الثباتَ ولا تستكينُ للجمود، كيف لنا أن نعرفَ أنفسنا ونحن نسيرُ في دروبٍ متعرجةٍ لا تستقرُّ على مسارٍ واحد؟ كيف لنا أن نحتفظَ بصورةٍ ثابتةٍ في عالمٍ يموجُ بالتغيراتِ السريعةِ التي تقطعُ أوصالَ الثقةِ بالنفس؟
ربما، يا صديقي، لا يكونُ الإنسانُ شيئاً ثابتاً، ولا هو جسدٌ يسكنُهُ ذاتٌ واحدةٌ، قد يكونُ رحلةً مستمرةً من الانفصالِ والتلاقي، موتاً وولادةً بلا نهاية، حينَ نلتقي بأنفسنا الجديدةِ نودّعُ جزءاً من ذاتنا القديمةِ، كأننا نرتدي رداءً جديداً، أو نُزيح قناعاً طالما عرقلنا رؤيتنا الحقيقية، إنّهُ تحوّلٌ نابعٌ من عمقِ الوعي، لا من سطحِ المظاهرِ الزائلةِ.
لكن في خضم هذه الرحلةِ المضطربةِ، هناك بصيصٌ من الأملِ، نورٌ خافتٌ يُذكّرُنا بأننا رغم كل التغيراتِ، نحتفظُ بجوهرٍ لا يموتُ، جوهرٍ يشكلُ هويتنا العميقة، ويجمعُ شتاتَ أرواحنا في كيانٍ واحدٍ يُدعى «أنا»، هويتنا ليستْ مرآةً لوجوهنا المتغيرةِ فقط، بل هي ذلك النهرُ الذي يجري في باطننا، رغم تقلباتهِ وحيراتهِ، لا ينضبُ ولا يجفُّ أبداً.
ففي النهايةِ، يا رفيقي، لا بُدَّ أن نُجيبَ على سؤالِنا المؤلمِ: كيفَ أكونُ أنا وأنا لستُ أنا؟ ربما يكونُ الجوابُ هو القبولُ بأننا متغيرونَ، متبدلون، نبحثُ عن ذاتنا في كل لحظة، ننسى ونستعيد، نُفقدُ ونجد، نتحررُ من قيدِ الثباتِ لنعيشَ بحريةِ التغييرِ، فالذاتُ ليستْ مرآةً ثابتةً بل بحرٌ عميقٌ لا يُحدُّ، ونحنُ مراكبُه التي تبحرُ فيه، لا تصلُ إلى الشاطئِ أبداً، بل تستمتعُ بكل موجةٍ وكل نسمةٍ تُلامسُ وجوهنا في الطريق.
فهل أنتَ يا صاحبي، الذي أنتَ عليه الآن؟ أم أنتَ في انتظارِ أن تكتشفَ ذاتَكَ القادمة؟
في هذه الحيرةِ الجميلةِ تكمنُ روعةُ الوجودِ، وفي هذا التناقضِ الحادِ تكمنُ معاني الحياة.
تم نسخ الرابط





