كيف بدأت العمل ككاتبة محتوى (رحلة الوصول إلى حيث نفسي تكون)
لم أكن أتخيل يوماً أن الكلمات التي أكتبها منذ الصغر ستكون الشرارة التي تضيء مستقبلي، وتلهب شغفي، لتصبح مهنتي وصوتي ورسالتي؛ فهل تعرفون كيف بدأت العمل ككاتبة محتوى؟
كيف بدأت العمل ككاتبة محتوى
طوال عمري وأنا أعشق الكتابة، أجد في القلم روحاً وحياةً، لكن بالرغم من ذلك، كانت بالنسبة لي مجرد هواية، لم يكن في حسباني أنها ستكون يوماً ما سبيلي للخروج من عنق الزجاجة فأكتب كلمات لا أقرأها بمفردي كعادة كل يوم، بل يشاركني في قراءتها من يملكون الشغف ذاته.
أرغمتني الحياة على دخول سوق العمل، وبدون رغبة مني وجدتني أتنقل من عمل إلى آخر، تارة أعمل في خدمة العملاء، وأخرى في مجال التسويق، في الحقيقة لم أكن أمكث في الوظيفة طويلاً رغم تعدد مزاياها، أشعر أنني آلة تنتج فقط، لا شغف، لا مشاعر، ولا طاقة، تعود إلى المنزل منهكة فاقدة جزءً من نفسها حتى أوشكت على التلاشي.
سنوات طويلة وأنا على هذه الحال، أبحث عن عمل أجد فيه نفسي، لم أكن أعلم ما هو، وما هي مواصفاته والمميزات التي تجعلني لا أفكر في تركه كالعادة، أذكر في ذلك الوقت أنني كنت قليلة الكلام، لا أحد يفهمني، ولا عمل أنجح في الاستمرار به.
وفي يوم من الأيام، وبينما كنت أتصفح أحد مواقع التوظيف، فإذا بإعلان يبدأ بـ”مطلوب كاتب محتوى..
ماذا تعني كاتب محتوى؟
كتبت ذلك السؤال في متصفح جوجل، فظهرت لي العديد من النتائج، ورغم أنها كانت توحي بأن مهنة كتابة المحتوى معقدة إلى حد كبير، إلا أن شيئاً بداخلي يدفعني نحو خوض التجربة، مما جعلني أتواصل مع صاحب هذا الإعلان لحجز موعد مقابلة العمل، وكان لي ما أردت.
حدد لي صاحب المنشور موعداً للمقابلة الشخصية وكان في اليوم التالي، تواصلت مع إحدى صديقاتي وطلبت منها الذهاب معي، فإن لم تكن الوظيفة مناسبة لي، ربما يحالفها الحظ فتناسبها.
لم أشعر بشغفها لهذه المقابلة، لكنها لم تعترض على المجيء معي، خاصة أن مقر الشركة قريب من البحر، مما يعني أننا سنحظى بسرقة لحظات ممتعة بعد المقابلة، نتناول المثلجات ونفكر في العمل المقبل الذي سنحاول الالتحاق به حال رفضنا المتوقع للوظيفة التي نتقدم لها.
حضّرت الزي الرسمي المناسب لهذا النوع من المقابلات، ووصلنا إلى مقر الشركة في الموعد المحدد، عدد كبير من الشباب والفتيات ينتظرون إجراء مقابلة يسبقها ملء ورقة..
كنت أعتقد أن هذه الورقة يجب أن نكتب بها البيانات المعتادة، الاسم، تاريخ الميلاد، الخبرات السابقة، وما إلى ذلك، لكن هذه الورقة كانت مختلفة، كل ما يجب على المتقدم كتابته هو خمسة أسطر يتحدث خلالها عن أي شيء يخطر بباله، بأسلوبه وبطريقته الخاصة، ثم يتبع هذه الفقرة باسمه.
أعتقد أن الأمر لم يرق لصديقتي، فقد تركت ورقتها كما حصلت عليها، ثم سألتني بنبرة ساخرة: “هل ستُكملين في هذا الهراء؟”
- نعم، فقد كتبت عن..
- “لا أريد أن أعرف، هل نتقدم لوظيفة أم لحصة تعبير؟؟ هيا لنذهب”.
- “تمهلي، حتى نستطيع تناول المثلجات ونحن على يقين بأننا فعلنا ما بوسعنا ولم نضيع هذه الفرصة”.
- “افعلي ما بوسعك عزيزتي، أما أنا فسأنتظرك خارجاً أُفكر”.
- “في الخطة البديلة؟”.
- “لا، في نكهات المثلجات التي سنتناولها”.
- وبينما كنا نضحك سوياً قبل أن ترحل، أتت إلينا إحدى الموظفات وسألتني: “أنتِ مروة؟”
- “نعم”.
- “بعد تجاوزك الخطوة الأولى بنجاح، هيا لننتقل للخطوة التالية، هل تتقنين الكتابة على لوحة المفاتيح بشكل سريع؟”
- “لا، ولكن يمكنني التعلم”.
- “حسناً، مع استمرارية العمل ستكتبين بسرعة البرق”.
- “استمرارية العمل؟ أتعنين أنني مقبولة للوظيفة؟”.
- “نعم، وستقابلين الآن مدير الشركة للتعرف على كافة التفاصيل”.
بدأ الحماس يطرق أبواب قلبي، خاصة عندما تحدث معي المدير بامتنان، حيث أخبرني أن السطور القليلة التي كتبتها تشير إلى أنني سأكون كاتبة محتوى مميزة يوماً ما، ثم بدأ في شرح أبعاد الوظيفة وكيف تواجدت في بلدتنا، وما إلى ذلك من تفاصيل جعلت حماسي يصل إلى عنان السماء.
خرجت مسرعة إلى صديقتي، وقلت لها: أشعر أن اليوم سنتناول المثلجات بدون أن أفكر في خطة بديلة، ماذا عنك؟
بعد أيام قليلة سوف تفكرين، لا تقلقي.
مر الوقت سريعاً وعدت إلى منزلي، لم أستطع النوم لشعوري بسعادة غامرة، وجدت ما أبحث عنه، العمل الذي أجدني به، لن أكون كالآلة، إنها فرصتي لترى كلماتي النور.
لم يكن الأمر سهلاً ولا الطريق مُغطى بالورود، ولكن كان شغفي يقودني كل يوم لأطوّر من ذاتي وأتعمق في مفردات جديدة تزيد من عشقي لما أعمل.
وها أنا ذا بعد خمس سنوات أنظر إلى الماضي وأنا أشعر بالفخر، فكل لحظة يأس مررت بها، كانت تدفعني دون أن أدري نحو اكتشاف ذاتي وما أنتمي إليه، ولا يزال قلمي يعُبّر عني وعن العالم المتغير من حولي، وسيظل حبه مقروناً بأنفاسي.
تم نسخ الرابط





