خاطرة لا أدري كيف نجوت
بين تقلبات الحياة، وقفت فتاة حسناء تتساءل: لا أدري كيف نجوت، لتكتشف أن نجاتها لم تكن صدفة، بل مكافأة لتقديرها لذاتها بعد درساً استغرق من عمرها سنوات.
لا أدري كيف نجوت
في إحدى المقاهي البعيدة ذات الأضواء الخافتة والجدران الزجاجية، كنت أشاهد الغيوم تتراقص في السماء الرمادية، بينما كان صوت الشاعر عمرو حسن يوقظ الحنين في قلبي ويستدعي كل ما فشلت في نسيانه.
جلست برفقة صديقتي المقربة، ,ومع بداية سقوط الأمطار كسرنا الصمت وبدأنا نسترجع أيام المدرسة وكيف كنا نهرب من بعض حصصنا فقط لنشعر بأجواء المغامرة، كانت أكبر همومنا بسيطة، إن غابت إحدانا، فكيف للأخرى أن تمضي يومها؟
ها قد وصل طلبي، مشروبي المفضل من الحبوب البنية يعلوه رسم من فقاعات الحليب على هيئة ابتسامة، نظرت إليها فابتسمت مثلها، وقلت لصديقتي: إن اليوم هو الثامن والعشرون من شهر يناير، ذكرى جمعة الغضب، فأجابتني: الآخرون يتذكرون اليوم الخامس والعشرين، يوم الثورة، إلا أنتِ تتذكرين جمعة الغضب!
فقلت لها: ربما لأن هذا اليوم كان بداية ثورتي أنا، وقبل أن تظهر علامات الدهشة على وجهها، استكملت حديثي: لم أكن أعلم أنني في هذا اليوم وفي خضم الفوضى سوف ألتقي بمن سيقلب حياتي رأساً على عقب، ظهر لي من وسط الهتافات والأصوات العالية التي تعلن اعتراضها على قرار حظر التجوال، كنت أشعر كأنني في كابوس وهو من جعله حُلماً.
كان مختلفاً، راقياً، هادئاً، شامخاً، ورغم كل الارتباك الذي كان يحيط بنا حينها، استطاع بنظرة من عينيه أن يُرتب شتاتي، كانت صدفة وددت تكرارها، وقد كان لي ما تمنيت، فبعد أيام قليلة من هذا اللقاء قابلته ثانية، وثالثة، إلى أن صارت الصدفة موعداً أتهيأ له على أكمل وجه.
ثقته البالغة في نفسه، وحسن انتقائه للكلمات، ونظرته الثاقبة إلى عينيّ كما لو أنه يتفنن في قراءتهما.. كل ذلك جعلني أهيم به عشقاً وبكامل إرادتي أُصدق كلماته المعسولة، وأسير متتبعة خطواته معصوبة العينين.
فقد وجدت الشخص الذي استطاع انتشالي من فرط تفكيري في المستقبل وخوفي من الفقد دون أن يبذل مجهوداً في ذلك، فرأيت فيه الرجل الذي سأختبيء خلفه من خذلان العالم.
ورغم كل ما كان يدور حوله من حكايات تشير إلى تعدد علاقاته، عصبيته المفرطة، وغروره الجامح، إلا أنني كنت تارة أغض الطرف عنها وأخرى أؤكد أنه يستحق أن يكون متكبراً لما يمتلك من خصال لا تتوفر في أبناء جيله، خاصةً أنه كان يصفني دائماً بالمختلفة.
تلك الكلمة التي كنت أتساءل: هل يقولها مدحاً أم ذماً؟ لكنه كان ينظر إلى مقلتيّ ويقول لي: “عندما أنظر إلى عينيكِ أرى نقاء لم أره من قبل”، فأعرف حينها أن الرجل الشامخ أمام العالم أجمع يضعف أمامي، وهذا يكفي ليكون شريك عمري.
حينما تقدم إلى خطبتي لم تكن الأرض تسع سعادتي، يومها ألبسني قلادة، وبينما كان يغلقها حول عنقي همس في أذني: “لا تخلعينها أبداً”، فقلت في قرارة نفسي: كيف أخلعها وهي قلادتك!
وكسائر الحكايات الجميلة التي تنتهي بالخطبة، كانت هناك رسائل على مدار اليوم، مكالمات تستغرق الليل بأكمله، ومقابلات لا تخلو من الضحك والكلمات التي تجعل قلبي ينتفض كانتفاضة شباب الثورة حينها.
مرت هذه الفترة سريعاً، بعدما تخللتها العديد من الأحداث التي كان يتواجد بكافة تفاصيلها، مما زاد من تعلقي به.
وعلى الرغم من نشوب عدة مشاحنات بيني وبينه خلال تلك الأشهر التسعة، إلا أنه كان حنوناً على قلبي وله به رصيد يجعلني أسامحه دون التفكير فيما ينتظرني.
في كل مرة كان يرتفع صوته أمامي أرى في وسط عتمة صراخه شعاع نور وهمي، بل وأضع لهذا الشعاع اسماً، مرة (الحب)، مرة (الغيرة) وأخرى (الاهتمام).
كانت عين العاطفة تسيطر على بصري وبصيرتي، بل وعلى يدي التي وقّعت على عقد الزواج بكامل وعيّها وسط حفل زفاف يجمع المباركين والمجبورين على الحضور؛ لأنني أنتمي إليهم.
وخلف باب منزلنا، تبدل كل شيء فجأة..
لا، ليس فجأة، بل تسلل هذا التحول كما العنكبوت الذي ينسج بيته، لم ألتفت إليه، ولا أتذكر إن كان ذلك بمحض إرادتي أم رغماً عني، كل ما أتذكره أن جوانب مختلفة من شخصيته كشفت عن أنيابها رويداً رويداً.
بدأ الأمر بكلماته الحادة في أي مناقشة، ثم تطور قليلاً حتى أصبح مصحوباً بالإمساك بيدي بقوة تجعلني أخرّ باكية، لكنه اعتذر.. نعم، اعتذر حينها، كيف لي ألا أسامحه؟!
تكررت أفعاله، وصارت تتطور في كل مرة عن التي تسبقها، ومع كل مرة يتكرر سيناريو الاعتذار بنفس الوتيرة، فيمر الموقف مرور الكرام.
أصبح يتحكم في مظهري بشكل لا يقبله عقل بحجة الغيرة، وينتقد طريقة تحدثي بحجة أنه يريدني أفضل امرأة في الدنيا، بل ويعد الأنفاس التي كانت تخرج من أنفي حينما كان سليماً، لكن هذا لم يكن بحجة واضحة، وليس لي الحق في محاولة معرفتها.
بدأت نفسي تتلاشى أمام عيني، ولا أقدر على المقاومة، أصبحت نسخة لا أعرفها، أستيقظ من النوم وداخلي شعور غامض بالذنب كأنني اقترفت خطيئة عليّ أن أُكفّر عنها طوال حياتي، أصبحت أعتذر بلا سبب، بل وأطلب منه مسامحتي على إساءته لي.
وفي ليلة وقفت أمام المرآة، لم أرني.. ذهبت الصورة التي كنت أضعها دائماً نصب عينيّ؛ تلك الفتاة الجميلة القوية التي لا تنكسر ولا تعرف الخضوع، وحلت مكانها عجوز تنتظر الموت بين حين وآخر وترى فيه النجاة من ظلم نفسها لنفسها.
وبينما كنت أحاول بث الحياة في هذه الشمطاء باستخدام حمرة شفاه، سمعت باب المنزل يُفتح، دب الخوف في قلبي حينما رأيته غاضباً ولا أفهم السبب، بدأ يصرخ، يسب، ويكسر كل ما يعترض طريقه، واقترب مني بعينين لم أر في قسوتهما من قبل، فتجمدت في مكاني لأتلقى ضربة من رأسه كسرت قلبي قبل أنفي وحتى الآن لم أعرف السبب الذي من ورائه نلت ذلك الجزاء.. لربما هدأ قلبي قليلاً.
وكالعادة حصلت على اعتذار عما بدر منه متبوعاً بعبارة ملّتها أذني: إن لم تكوني أنتِ مَن تتحملني، مَن ستكون؟ ثم ذهب لينام بعدما قبّل رأسي، ووعدني بالذهاب إلى الطبيب لإصلاح ذلك الجزء الصغير في وجهي حينما يكون لديه متسع من الوقت.
لم أنم هذه الليلة، جلست أتأمل شكلي أمام مرآتي، لم أشب فقط، بل صرت عجوزاً بوجه متورم وأنف ينزف دماً امتزج بدموعي، مرت الساعات، وانطفأت عين العاطفة داخلي لتحل محلها عين العقل.
نظرت إليه بينما كان يغط في نوم عميق، قمت بجمع القليل من أغراضي، لمحت القلادة التي كانت تلتف حول عنقي ملقاة على الأرض، يبدو أنها انهارت وسط الأحداث الماضية، قلت في قرارة نفسي: لا داعي لتحريكها، فلربما يسكنها ما يسكن جسدي وفؤادي من الألم.
أغلقت الباب خلفي بهدوء شديد، وخرجت وأنا على يقين بأنني لن أفتح هذا الباب مرة أخرى، نجوت بما تبقى مني وذهبت لأرمم روحي التي اعتقدت أنني فقدتها خلال هذه الرحلة، لكن مع مرور الوقت اكتشفت أن حتى الروح يمكنها أن تلتئم وإن كان ببطء شديد.
وبالرغم من أنني تنصلت من قلادته، إلا أنه لم يتركني أجمع أشلاء روحي بسلام.
مكالمات، مطاردات، وعود ودموع.. لم يستطع فهم أنني حين تركت منزله لم أخرج من حياته فقط، بل من ضعفي وعجزي.
ومع مرور السنوات ومع محاولات عدة لإعادة بناء نفسي، ها أنا ذا أتطلع إلى ملامحي المنعكسة بالجدران الزجاجية بالمقهى، أراني فتاة مشرقة، حالمة، لها عينان تمتلكان بريقاً وحدي أعرفه، كالألماس يخرج من بين السواد، يزداد بريقهما كلما نظرت إلى يدي اليسرى التي يحتضن أحد أناملها خاتم يمنحها دفءً كانت تشتاق للشعور به.
فقد ابتسمت الحياة لقلبي من جديد كما لو أنها أرادت أن تكافئني على النجاة، فرُزقت برجل علمّني أن المحب لا يؤذي، وأن الحب احتواء وليس قهر، اختفت ندوبي بجواره وشعرت بالأمان بين يديه، واكتملت سعادتي حين أنجبت طفلتي.. قاطع صوتي الشاعر عمرو حسن وهو يقول:
“الحقيقة، كل شيء كان شيء طبيعي
زي ما الخواجات بيقولوا: Fair Enough
شخص فرّط لف كل الكون ده لف
وواحدة زيك ليها أسرة
مش هكملها بحسرة
أو هقول لو كان هيبقى
بس هدعيلك كطفلة وأم سابقة
تيجي بنت تشيل ملامحك
طير ميلقطش إلا قمحك”.
أعتقد أنني نجوت لأحظى بفرصة أخرى أمنحها لصغيرتي، فأُعلّمها أن الحب لا يقاس بالوعود، وأن الكرامة هي أغلى ما يمتلكه الإنسان.
وحين تكبر سأحكي لها عن جمعة الغضب لفتاة كانت تحلم بالأمان، فاكتشفت أن الوصول إليه يحتاج إلى تقديرها لذاتها أولاً.
من المؤكد أن المشهد سيظل في ذهني:
هو يصرخ،
أنا أرتجف،
دمي يسيل،
أنا أهرب،
لكن حينما يمر أمام عيني سأتذكر شيئاً واحداً: أنني نجوت، لا أدري كيف نجوت.. لكنني نجوت.
تم نسخ الرابط





