إعلان - Advertisement

لا تغلي مزيداً من الأعشاب يا أمي

“لا تغلي مزيداً من الأعشاب يا أمي فإن البحّة هذه المرة في الروح” يمكن هاد أدق وصف بينصف ولو شوي، شوقنا ألك ولوجودك، لشهيدي الحي في قلبي، حُسام.

لا تغلي مزيداً من الأعشاب يا أمي فماعادت تنفع لوجع هذه الروح

حبيب روحي حُسام:

مابعرف إذا فيي أسألك كيفك؟ بس بعتقد أنو الجواب بكل الأحوال مارح يوصل، لهيك رح اكتفي بإني خبّرك عن اشيا كتير صارت بغيابك بتبلش من الطوفان بعد رحيلك، لوقت محاولة الثبات والتناسي!.

على العموم، كنت عم عدّ ديماً كم سنة مرقوا وأنت بعيد، بالأخير بطلت، حسيت مارح يتغير شي غير احساس أنو العمر عم يمشي ونحن بعدنا واقفين بيوم استشهادك، وفيك تقول نحن ما نسينا، نحن عم نتناسى ونتعايش مو أكتر، بس من فترة مانها طويلة قرأت دفتر مذكراتك وعرفت أنو أنت الحنين ديماً كان يسرقك كمان متل ماعم يسرقني بكل مرة بشوف فيها عيلة مجتمعة.

حنين لكل شي بيعطي نكهة خاصة للذكرى، ويجبرها يكون ألها مكانة مميزة، نستحضرها بريحة عطر أو مشوار أو مكان أو حتى لباس معين، ولكون واضحة أكتر، بحس كل شي بالحياة بخلينا ثابتين على طهارة قلوبنا وبساطتنا، لازم يكون عادة، تقليد، شي بيشبهنا دوناً عن غيرنا، يعني شي بخلينا ديماً وقت نرجعلو نتذكر أصالتنا ونرجع نحاول نحافظ ونستمر على نفس السياق.

مثلاً نحن كعيلة كان عنا عادة أنو براس السنة لازم نكون مجتمعين سوا، شباب وصبايا، أنا وأخواتي بتلاقينا عالدبكة كل الليل مع الرقص وأكلات أمي الطيبة، ونمسك نجوم الليل لنشعلها ونبلش نعد عد تنازلي لوقت مانبتدي سنة جديدة، أو مثلاً بالعيد، كان لازم نتنقل من بيت لبيت وتتضيف ونحكي حكايا وقصص جديدة مرقت بحياتنا مع الأقارب.

وهالتفاصيل يلي بنتعودا، بتصير مع الوقت ذكرى حلوة بترجعنا كلنا كـ عيلة عليها، بنشتقلا، وبنحنلا، وبنحن لطبيعتنا قبل اللي كانت أنضف من هلق وأبسط بكتير من واقعنا الحالي.

المهم، بدي خبرك أنو كلنا تزوجنا، ماعدا صغير العيلة، بعدو لهلق عم يناطح بهالحياة وناطر ع أمل!.

أبوك وأمك كتير بيشردوا بهالدني، بتلاقي كل واحد فيهم بدنيا تانية تماماً وعم يفكر بالمجهول، عم يخافوا علينا، ويفكروا فينا، وكأنو تجربة فراقك خلتهم يخافوا من أي أذى ممكن يصيب حدا فينا، بتلاقيهم غالب الوقت شاردين، وهون ومش هون، بس بالعموم عقلن وقلبن معنا ومعك!.

بالعموم، الحياة كتير باردة حتى بعز الصيف، بتحس كلشي مات بموتك، ماعاد للطلعات طعمة، ولا الجمعات، ولا لشي، وكأنو في خيط نقطع والمسبحة كلا من بعدو فرطت!.

رفقاتك تغربوا، عملوا اللي أنت تمنيت تعملو، كل مين ألو حياتو، ومتزوج، رفيقك جوان للأسف مطلق حالياً وعايش هو وابنو، أما عن گابي فهو فاتح صالون وبعدو متل ما هو، وبالنسبة لحب عمرك مابعرف عنها شي، كل اللي بعرفو أنو زارتك كتير بعد موتك بس بعدين ماعاد عرفنا عنها أيا شي وبتمنى تكون لسه عم تتذكرك وتبعتلك رسائل روحانية توصلك للسما.

بالنسبة ألنا نحن البنات، فيك تقول متحسرين على الشي اللي كان يقلنا ياه أخوك هيثم، وقت كان يحكيلنا أنو الزواج مسؤولية، وياريت نشيلو من قاموسنا ونعيش كل العمر سوا نقضيها طلعات وفوتات وشغل ولا كأنو في أيا شي بيربطنا بواقع المجتمع، بس نحن وقتا رفضنا، وقلنا نحن قد الحمل، بس للأسف…. طلعنا ياخيي ضعاف كتير.

المسؤولية أكبر من أنو يستوعبا عقل، بتحس حالك بس عم تركض لتأمن كل شي، وبنص هالعجقة أنت بتضيع، نفسك بتضيع وماعاد بتحس بحالك، بتلاقي حتى شريكك بعيد، صار في بينكم شرخ انخلق بظل هالمسؤوليات يلي بترميك آخر النهار عالفرشة مطروح.

أيمت بدي حب شريكي وأنا كل نهاري ركض؟ أيمت هو رح يقدر يهتم فيي وهو كل نهارو ركض؟ وهيييييك ليمضى هالعمر، ونوصل للسلام بكل النواحي الاجتماعية والمادية والحياتية، بكون وقتا العمر أكل من عضامنا وصحتنا وملامح وجهنا، وبدّلها بتجاعيد وأمراض وعلل، فـ برأيك وقتا بنلاقي وقت للحب؟.

مابعتقد….. بالعموم كمان يمكن النزوح اللي عشناه، والضرب اللي هربنا منو، واستشهادك، وخسارة الصالون وبيتنا، كلن كانوا قاسيات كتير لهيك عملوا رد فعل عكسي عنا، فصار كل شي بالنسبة ألنا عادي….. مات فلان؟…. الله يرحمو…. عادي!.

خسرنا شغل؟…. عادي…… فلّسنا؟ كمان عادي، كل شي عادي إلا نحن، نحن اللي ماعدنا عاديين ولا طبيعيين…. كتير تغيرنا ياخيي، ولهلق بعدك بذكراك بتجي، بقميصك الأسود، بطلّتك البهية، بدقنك وعيونك الواسعة، أنت متل ما أنت، بعدو عمرك واقف عند التلاتين ولا رح يزيد حتى لو مرق على غيابك 11 سنة وأكتر!!.

بتتذكر، بآخر زيارة ألك قبل استشهادك؟ وقت اللي كنا أنا وأنت عم نحضر فيلم جينيفر لوبيز؟ وقتا تقصدت قلك تمشطلي شعري لأنو متشربك، كان بدي ترجع تسرحلي ياه بنفسك متل أيام الصالون، وقتا كنت تحكيلي جملة بعقلانيتك المفرطة وحنينك الزايدة “فارونة مو هيك بيتمشط الشعر، ماضل عندك خصلة على خصلة منيحة، بدك تبلشي من تحت…. وهيك لفوق عالهدا”.

شايف هاد الهدا، شتقتلو، أصلاً من يوم اللي رحت وأنا شعري متشربك متل قلبي، شعري تعبان وضعيف متل جسمي، كل شي ماعاد متل ماكان، ومابعرف أيمت ممكن يرجع ينعاد الزمان، نرجع نلتم، لأنو أخواتك كلن بالغربة، هيثم، نشأت، بينار، وألنا فوق الـ11 سنة مو شايفينهم.

يكتر خير التطور يلي تركلنا مساحة نحكي فيديو لنعرف ملامح بعضنا، يمكن إن شافوني أخواتك عالواقع مايعرفوني، لأنو وقت كانوا كنت صغيرة وأنت بتعرف، وبعد ماراحو قبل موتك كنت بعدني صغيرة، ومن وقت موتك، أنا هرمت!.

مابدي دايقك بتفاصيلنا أكتر، كان بدي خبرك بس أنو شتقتلك، شتقتلك كتير وقلبي واجعني عليك وعلى شبابك وعلى حالنا وعلى أهلك يلي أكل الدهر منهم ومن قوتهم، وغيابك أكل الباقي وما تركلهم شي!.

بالمناسبة، مو بس أنا شتقتلك، حتى بيتنا شتاق لوجودك، حيطانو شتاقت لعزفك على البُزق، حسيت بصوتك ونفسك بكل زاوية فيه، شفتك عم تتحرك بالمطبخ والصالون وغرفة القعدة، شفتك عم تجي معي عالبرندة لأحكيلك وتحكيلي وتنصحني، كلنا بعدنا عم نشوفك، بأحلامنا، وواقعنا، وحتى وقت تنفض الغبرة عن ذاكرتنا، بنلاقيك بعدك مطرحك، بنفس الطلة، ونفس المكانة….. ويمكن أكتر.

تم نسخ الرابط

هل كان المحتوى مفيداً؟

نعم
لا
شكراً لملاحظاتك.

إعلان - Advertisement

فريال محمود لولك

الكتابة هي السبيل للنجاة من عالمٍ يسوده الظلام، ننقل بها سيل المعلومات لتوسيع مدارك القارئ المعرفية، أنا فريال محمود لولك، من سوريا، خريجة كلية التربية اختصاص معلم صف، وكاتبة منذ نعومة أظفاري، من وحي المعاناة وجدت في الكتابة خلاصي، ورأيت بها نور الله الآمر بالعلم والمعرفة، فاقرأ باسم ربك الذي خلق. فإن القراءة هي الطهارة لعقلك من كل جهل.