خاطرة لحظات الوداع الأخيرة

تمر بحياتنا الكثير من اللحظات، سواء كانت حزينة أو سعيدة، لكن قد يكون من بينها لحظات الوداع الأخيرة، تلك التي نتمنى لو أن الزمن قد توقف حينها فلا تمر كغيرها.

لحظات الوداع الأخيرة

كان يوماً كسائر الأيام، يخلو من أي علامات استثنائية توحي بأنه يوم مختلف، استيقظت باكراً، قمت بترتيب سريري، ذهبت إلى المطبخ كي أرى ما الذي تعدّه أمي من طعام، رائحته المميزة لازلت أشمّها حتى الآن.

مرّ النهار سريعاً، كل شيء كان كما المعتاد، إلا نظرات أمي بينما كنت أقرأ القرآن، تلك النظرات التي جعلتني أتوقف وأقول لها: “حبيبتي، لماذا تنظرين إليّ هكذا؟ أتريدين قول شيء؟”، قالت لي: “لا، أكملي، أريد أن أُشبع عينيّ من رؤيتك”.

خُيل لي أنها كانت لحظة حنان عادية، فقد اعتدت أن تقول لي غاليتي مثل هذه الكلمات، استكملت قراءتي بينما كانت تراقبني ببسمة هادئة إلى أن انتهيت، وذهبنا سوياً لنحصل على قسط من الراحة قبل صلاة الفجر.

وحينما وصلتُ إلى غرفتي، قبّلتني وقالت لي: “سأشتاق إليكِ”، فما كان مني إلا أن ضحكت وقلت لها: “ماذا بكِ يا أمي، ما هي إلا ساعة واحدة وسوف نستيقظ لصلاة الفجر، ستشتاقين إليّ وأنا بجوارك دائماً ولن أغيب عنك سوى ساعة واحدة، أم تقصدين لأنني سوف أتزوج قريباً، إن كان ذلك ما تعنيه، فلا تقلقي، مثلما وعدتني بأنك لن تتركينني مهما حدث، فلن أتركك”.

ابتسم وجهها المنير وربتت على كتفي، لكنها لم تجبني بكلمة واحدة، في الحقيقة لم أعر اهتماماً لكلماتها، فأنا أعلم أنها تحبني كثيراً مثلما أحبها، وعلى الرغم من سعادتها بأنني سوف أتزوج لكنها لا تطيق الابتعاد عني، وأنا كذلك.

مرت الساعة واستيقظت استعداداً للوضوء، لكن أين أمي؟ لماذا لم توقظني كعادتها؟ ربما غلبها النوم لأنها تتناول عدة أدوية، فقررت أن أذهب لغرفتها لإيقاظها.

: “ماما، هيا استيقظي، حان موعد الصلاة، أمي؟”.
: “ابنتي، أشعر بألم في رأسي، لا أستطيع رؤيتك بوضوح”.

بعدها بدأت أمي تتمتم بكلمات غير مفهومة، فأمسكت بيدها، وقلبي يرتجف، قلت لها: “أمي استيقظي، ربما تحلمين، ماذا بك؟ وسط كلماتها المبعثرة قالت: “لن نلتقي مجدداً”.
: “لا يا أمي، ستُشفين، أنا على يقين بأن الله سيشفيك، ألم تعديني بأنك لن تتركيني؟ أمي لا تخلف الوعد، أمي!”.

ذهبت مسرعة إلى غرفة أخي أستغيث به، فأنا لا أدري ما الذي يجب عليّ فعله، فركض معي إلى غرفة أمي لنجدها قد فقدت الوعي تماماً، نُقلت أمي إلى المشفى، لكن خروجها من المنزل هذه المرة كان بلا عودة.

فقد تدهورت حالتها الصحية سريعاً خلال ستة أيام، لا أستطيع القول إن هذه الفترة كانت بمثابة ستة أعوام مرت عليّ، فقد كنت أمسك بيدها الباردة فأشعر أن كل شيء يتجمد حتى الوقت.

عقلي يخبرني بأن أمي ذاهبة ولن تعود، وقلبي يقول لي إنها ستبقى على العهد، كنت أحدّثها، لكنها لا تسمعني، كنت أتساءل: هل تشعر بي؟ فكانت قبضة يدها على يدي تقول لي: وما أشعر بسواكِ.

جلست بجوارها أقرأ الآيات التي كانت تستمتع إليها بنظراتها الحانية قبل أيام، لعلها تشعر بي كما كانت تفعل وتغرقني بمعسول كلماتها فيطمئن قلبي، لكن ذلك لم يحدث، إلى أن أتى اليوم السابع.

يوم هاديء، ساكن للغاية، حتى ملامح أمي ساكنة، لا تتحرك، وأنا لا أزال ممسكة بيدها، لكنها لم تعد تشد على يدي كما كانت تفعل طوال هذه الأيام، أفلتت أمي يدها معلنة حقاً أننا لن نلتقي مجدداً.

حينها، مرت عليّ لحظات الوداع الأخيرة أمام عيني، لم أبك، لم أصرخ ولم أتفوه بكلمة واحدة، بل ابتسمت مودعة إياها وقبلت رأسها، وداخلي لا يصدق أن ما يحدث حقيقة وليس كابوس سينتهي بصوتها حين توقظني كالعادة لتخبرني أن الفطور جاهز ويوشك أن يبرد.

لم يبرد قلبي منذ هذا اليوم، لكنه يسكن قليلاً حين يتذكر اللحظات الصادقة التي ودعتني بها، والتي علمتني أن الوداع الحقيقي لا يحتاج إلى الكلمات الطويلة، بل يكفي أن يكون بنظرة حنان صادقة وكلمات يظل صداها خالداً إلى الأبد.

تم نسخ الرابط

هل كان المحتوى مفيداً؟

نعم
لا
شكراً لملاحظاتك.

مروة جمال أحمد

بالرغم من أنني خريجة قسم الترجمة الإنجليزية إلا أن ذلك لم يحُل بيني وبين عشق اللغة العربية بكافة معانيها، ولذلك فأنا مروة جمال كاتبة المحتوى بمنصة برو عرب.
زر الذهاب إلى الأعلى