لصوص الإنسانية.. من الأمم المتحدة إلى أصغر منظمة خيرية
عشرة ملايين هنا، وملايين هناك، حملات كسرت أرقاماً قياسية وشاشات عرضت وعود بإنهاء عصر الخيام، لكن لماذا كلما زادت أرقام التبرعات، زاد بؤس النازحين وزاد عمق الطين في مخيماتهم؟
لصوص الإنسانية… من الأمم المتحدة إلى أصغر منظمة تدعي أنها خيرية
في عالم التريند والإنسانية المصورة، اعتدنا أن نرى أرقاماً فلكية تُجمع أمام الشاشات، نتذكر جيداً كيف ضجت الدنيا بحملة “أبو فلة” التي جمعت 10 ملايين دولار باسم المخيمات، وسمعنا صدى وعود “فريق ملهم” في حملات “حتى آخر خيمة”، صفقنا للأرقام، انتظرنا المعجزات، لكننا اليوم حين نفتح أعيننا على الواقع، نجد أن “آخر خيمة” لم تأتِ بعد، وأن الملايين تبخرت في ممرات التنسيق والمصاريف الإدارية، وبقي النازح تحت قماش خيمته يصارع الموت كل شتاء.
نحن هنا لا نشقّ عن الصدور، ولا نتهم النوايا بالسرقة، بل نحكم بالنتائج التي نلمسها على الأرض، فالواقع يثبت يوماً بعد يوم أن “المخيم” تتحول إلى دجاجة تبيض ذهباً، وتجارة رابحة تعتاش على بقاء الوضع كما هو عليه.
فبقاء الخيمة مهترئة يعني استمرار تدفق التبرعات، وإنهاء معاناة الناس يعني إغلاق “حنفية” الملايين، إنها حلقة مفرغة، ضحيتها الوحيد هو الإنسان البسيط، والمستفيد منها هو من يركب موجة الوجع ليحقق أرقاماً قياسية في عدد المتابعين والدولارات.
أما عن فلسفة الحلال والحرام في عصرنا الحالي، فقد أصبحت سهلة ومبسطة، يكفيك أن تخصص جزءاً بسيطاً من تلك الأرباح لرحلة عمرة أو حج إلى مكة، تحلق رأسك “على الصفر”، وتؤدي العمرة، لتعود وكأنك وُلدت من جديد.
تغسل ما تقدم من ذنبك وما تأخر بماء زمزم، وتعود لتصفر عداد الخطايا وتبدأ بجمع الملايين من جديد في حساباتك البنكية، هكذا تحول الدين عند البعض إلى ممحاة لسرقة حقوق البشر، وتحولت التوبة إلى طقس شكلي يبرر الاستمرار في التجارة بآلام الناس.
من أروقة الأمم المتحدة الفاخرة، وصولاً إلى أصغر منظمة إغاثية تدعي العمل الإنساني، تبدو الصورة واحدة، إنهم يتغذون على جراحنا، ويقتاتون على مآسينا، المنظمات الإغاثية، بدون استثناء، تحولت إلى كيانات تتقن فن التنظير والسرقة الممنهجة تحت مسميات التكاليف التشغيلية.
لقد شبعنا من الوعود، وجاعت بطون الأطفال في الخيام، فكفى تجارةً بأوجاع الناس، وكفى استهتاراً بعقولنا، فالحقيقة تصرخ في وجه كل متبرع ومسؤول عن الجمعيات الاخيرية: الخيمة باقية لأنها مصدر رزقكم، والوجع مستمر لأن في استمراره استقرار لمشاريعكم.
تم نسخ الرابط





