إعلان - Advertisement

خاطرة لقد زارني الشبح مرة أخرى

لطالما حاولت التخلص منه، أو بالأحرى الاختباء منه، لكن مع الأسف لقد زارني الشبح مرة أخرى، تُرى هل هذه المرة ستتغير نظرتي له ويتبدل خوفي أمناً وسلاماً؟

لقد زارني الشبح مرة أخرى

من بين أشخاص عدة، وقع اختياره عليّ، يراقبني، يتتبع خطواتي، بل ويُحدق بي رغم أني لا أراه، كنت أشعر بأنفاسه تخترق شراييني بل وتتسلل إلى عظامي في صمت تام.

إنه الشبح الذي زارني للمرة الأولى منذ سنوات عدة، وكنت أظنه محض خيال طرأ على عقلي نتيجة الإرهاق، قلة النوم واصطحاب أمي إلى المستشفيات عدة مرات في اليوم الواحد.

وما إن ذهبت أمي ورحلت عن عالمنا، حتى وجدت أن ذلك الشبح يحاول السيطرة على جوارحي.

كنت أسير في ممر منزلنا فأشعر بنسمات باردة تداعب أذني، كما لو أنه يحاول تذكيري بشيء ما، لكن في الحقيقة كنت أواجه ذلك بعدم الاكتراث، فبعد فاجعة رحيل أمي ما الذي سيخفيني وأنا كنت لا أخاف سوى من وداعها!

يبدو أن عدم اهتمامي به، كان سبباً في أن يحاول لفت انتباهي بوتيرة أكبر، أصوات عالية، أشياء تتحرك من أماكنها، وقطرات ماء دافئة تغطي وجهي كل ليلة..

بينما أنا أنسحب إلى ذكريات تجعل قلبي ينتفض حنيناً واشتياقاً، فهنا كانت تتناول أمي طعامها، وعلى هذه الأريكة كنا نضحك سوياً عندما كانت تشاركنا اللعب، وفي تلك الغرفة كانت تستمع إليّ بينما كنت أرتّل القرآن، وهنا كنت أتوسل إليها ألا تتركني بمفردي.

وبين فؤاد يود الهروب من الضلوع وعقل يرفض استيعاب فكرة الرحيل، كنت أذهب إلى أمي في أحلامي وأسألها: ماذا أفعل بدونك؟

مرت ليالٍ طويلة وذاك الشبح يطاردني، فأهرب منه بنوم عميق، عسى أن أجد في أحلامي مهرباً من الواقع الذي أرفضه.

إلى أن أتى يوم، قرر فيه هذا الشبح أن يقترب مني أكثر، إنها رائحته التي اعتدت عليها، خطواته الثقيلة التي يكاد قلبي ينخلع خوفاً منها تارة، ويسخر عقلي منها تارة أخرى، قال لي بصوت خافت: ……

لم أفهم ماذا قال، لكنني شعرت بالدماء تتجمد في عروقي، كما لو أنني على حافة الموت، صرخت بأعلى صوت، لكن لم يجبني أحد!

حاولت الهرب، لكن قيوده تمكنت مني حتى كادت تخنقني، وفجأة.. رن الهاتف، لا أدري كيف استطعت الوصول إليه واستقبال المكالمة رغم الأغلال التي تُكبلني، لكن يبدو أنه رحل كما ظهر..

-السلام عليكم.
-وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
-البقاء لله، توفي إلى رحمة الله تعالى والد زوجك.

كلمات قليلة، لكنها أودت بما تبقى من روحي، رحل ذلك الرجل الذي حاول أن يكون سنداً لي بعد فقداني لغاليتي، رحل من كان يُدللني ويُشعرني بأنني ابنته، لكن لا نقول إلا ما يُرضي الله رب العالمين.

وبينما كنت أقف وسط الحاضرين أثناء دفن الجثمان، حيث يُهال التراب فوق الجسد الفاني، شعرت بالبرودة ذاتها تشق صدري، ظهر الشبح مجدداً، فقررت مواجهته، لن أهرب هذه المرة، فقد أصبح حضوره لا يُحتمل، هو ليس سوى وهم، يمكنني محوه في لحظة.

-من أنت؟ وماذا تريد؟ ولماذا تراقبني؟
-أنا لا أراقبك، أنا الحقيقة التي تهربين منها دائماً.
-أهرب منك، من أنت لأهرب منك؟ فأنت جبان، لم تظهر أمامي بشكل واضح سوى مرتين.
-أتتذكرينهما؟
-بالطبع، فالمرة الأولى كانت عند رحيل أمي واليوم عند رحيل والد زوجي، وكأنك تختار الظهور في الفقد عمداً لتواسيني، لكنك في الحقيقة تؤرقني وتشعرني بالقلق.
-ألم تعرفينني بعد؟
-لا ولا أريد أن أعرف من أنت، كل ما أطلبه منك ألا تزورني مرة أخرى.
-لا أستطيع منع نفسي من زيارتك، سترين طيفي عند كل فقد، كل فقد فقط، زرتك مرة سابقاً وها أنا ذا أزورك ثانية.
-(بصوت متلعثم): من أنت؟
-أنا الموت، الحقيقة التي يأبى عقلك استيعابها، أنا لست شريراً، لكنني النهاية التي لابد منها.

لم يكن هذا الشبح مثل الذي نراه في أفلام الرعب، إنما هو الجزء الأخير من رحلة الحياة والبوابة التي نعبر منها إلى البرزخ.

فهمت الآن، لم تكن أصواته العالية سوى ضجيج رأسي، والأشياء التي تتحرك من أماكنها، كانت داخلي، مشاعري المضطربة، جوارحي التي تعجز عن فهم ما يدور حولها، وأما قطرات الماء، فهي العبرات التي كانت تُهون على قلبي مرارة الفقدان.

رغم كراهيتي لهذا الشبح، إلا أنني لا أنكر أنه علّمني درساً لن أنساه ما حييت، أن الفقد يجعلنا نقبل ما لا نقدر على تغييره، وأن الموت هو الحقيقة الوحيدة في حياتنا، ولعل هذا الشبح لم يطاردني يوماً، بل كان يريدني أن أفهم.

رحل عني الشبح هذه المرة وأنا على يقين بأنه سيزورني مرات كثيرة فيما بعد، لكن حينها لن أكون خائفة منه، بل سأنتظر المرة التي أرحل فيها معه، وآمل أن أكون حينها على حال يرضاه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

تم نسخ الرابط

هل كان المحتوى مفيداً؟

نعم
لا
شكراً لملاحظاتك.

إعلان - Advertisement

مروة جمال أحمد

بالرغم من أنني خريجة قسم الترجمة الإنجليزية إلا أن ذلك لم يحُل بيني وبين عشق اللغة العربية بكافة معانيها، ولذلك فأنا مروة جمال كاتبة المحتوى بمنصة برو عرب.
زر الذهاب إلى الأعلى