إعلان - Advertisement

ماذا لو أن أفكارك ليست لك؟ بقلم / نور الهدى خليل

في هذه اللحظة… وأنت تقرأ هذه الكلمات… هناك صوت داخل رأسك يقرأها، صوت لا يسمعه أحد غيرك، لا تعرف أين يسكن، ولا تستطيع أن تراه، ومع ذلك، أنت متأكد من وجوده.

لكن جرّب أن تسأله سؤالًا بسيطًا:

من أنت؟

لا تجب.

فقط انتظر.

ستظهر إجابة.

وربما تكون الإجابة:

  • «أنا».

لكن…

  • من قال «أنا»؟

نحن نعيش حياتنا ونحن نفترض شيئًا غريبًا جدًا:

أن كل فكرة تظهر في رأسنا تخصنا.

إذا فكرت في شخص، نقول:

  • «أنا فكرت فيه».

إذا خفت، نقول:

  • «أنا خائف».

إذا تخيلنا شيئًا، نقول:

  • «أنا تخيلته».

لكن هل أنت متأكد؟

أنت لا تختار الفكرة قبل أن تأتي.

الفكرة تظهر أولًا.

ثم تكتشفها.

كأن شيئًا ما وضعها أمامك.

ثم أقنعك بأنها كانت فكرتك أنت.


جرّب الآن ألا تفكر في قطة

  • لا تتخيل قطة.
  • لا ترى شكلها.
  • لا تفكر في لونها.
  • لا تفكر في عينيها.

ماذا حدث؟

ظهرت القطة.

رغم أنك حاولت منعها.

من الذي وضعها في رأسك؟

أنت؟

إذا كنت أنت، فلماذا احتجت إلى محاولة طردها؟

وإذا لم تكن أنت…

فمن كان؟


قد تقول:

  • «إنها مجرد أفكار عشوائية».

لكن من أين يأتي العشوائي؟

من أين تأتي الفكرة التي تظهر فجأة وأنت تمشي؟

لماذا تتذكر شخصًا لم تفكر فيه منذ سنوات؟

لماذا تستيقظ أحيانًا وأنت تحمل شعورًا غريبًا دون أن تعرف سببه؟

لماذا تأتيك جملة كاملة في رأسك دون أن تعرف من أين بدأت؟

ربما لأن العقل لا يعمل بالطريقة التي نتخيلها.

ربما أنت لا تصنع أفكارك.

ربما أنت فقط تستقبلها.


والآن تخيل شيئًا أكثر رعبًا.

ماذا لو كانت بعض الأفكار التي تعتبرها «أفكارك» قد بدأت قبل أن تنتبه إليها؟

ربما عقلك بدأ تجهيزها منذ ساعات.

وأنت لم تعرف إلا عندما وصلت إلى وعيك.

وهذا يعني أن هناك جزءًا منك يعمل في الظلام…

وأنت لا تعرف عنه شيئًا.

جزء يتذكر.

ويقرر.

ويربط الأشياء.

ويصنع الأحلام.

ثم يرسل النتيجة إليك.

وفي النهاية يقول لك:

  • لقد قررت.

لكن ماذا لو لم يكن هذا الجزء «أنت» أيضًا؟

ماذا لو أن الإنسان ليس عقلًا واحدًا؟

ماذا لو كنت مجموعة هائلة من العمليات التي تعمل معًا، ثم اخترعت شخصية واحدة لتقول:

  • أنا؟

مثل مدينة ضخمة تتحدث باسم شخص واحد.

كل شارع فيها يتحرك.

كل بيت يعيش حياته.

كل غرفة تفعل شيئًا مختلفًا.

ثم تقف المدينة أمام المرآة وتقول:

  • أنا شخص واحد.

والآن يأتي الجزء الذي قد يجعلك تنظر إلى الظلام بطريقة مختلفة.

ماذا لو كان هناك شيء آخر داخل وعيك؟

  • ليس شبحًا.
  • وليس كائنًا.
  • وليس شخصًا.

بل…

نسخة منك تلاحظك وأنت تعيش.

  • لا تفعل شيئًا.
  • لا تتحدث.
  • لا تتدخل.

فقط تراقب.

  • عندما تفرح، تعرف أنك فرحت.
  • عندما تكذب، تعرف أنك كذبت.
  • عندما تخاف، تعرف أنك خائف.

وعندما تكون وحدك…

تعرف أنك وحدك.

لكنها لا تظهر.

لأنها لا تحتاج إلى الظهور.

هي موجودة في اللحظة التي تدرك فيها أنك موجود.


فكر في آخر مرة كنت فيها وحدك تمامًا.

لا أحد في الغرفة.

لا رسائل.

لا مكالمات.

لا صوت.

فقط أنت.

لماذا يستطيع الإنسان أن يشعر أحيانًا بأنه «مراقَب» رغم معرفته بأنه وحده؟

نقول عادةً:

  • «مجرد شعور».

لكن من أين جاء الشعور؟

العقل قادر على صناعة إحساس بوجود شخص حتى عندما لا يوجد أحد.

وهذا يعني شيئًا مخيفًا:

أنت لا تحتاج إلى وجود شخص آخر حتى تشعر بوجود شخص آخر.

يكفي أن يصنع عقلك وجوده.


والآن تخيل أنك نمت.

وفي أثناء نومك، رأيت شخصًا يقف بعيدًا.

لم يتحرك.

لم يتكلم.

فقط وقف ينظر إليك.

اقتربت منه.

لكن قبل أن تصل إليه…

استيقظت.

تتنفس بسرعة.

تقول:

  • «كان حلمًا».

ثم تنظر حولك.

الغرفة فارغة.

كل شيء طبيعي.

لكن هناك سؤال صغير لا تستطيع التخلص منه:

  • لماذا كان الشخص ينظر إليّ؟
  • لماذا لم يكن يهرب؟
  • لماذا لم يتكلم؟
  • ولماذا شعرت في الحلم أنه كان يعرف أنك تحلم؟

ربما لأن الأحلام ليست مجرد صور.

ربما هي الطريقة التي يختبر بها عقلك نفسه.

يصنع شخصًا.

ثم يجعلك تخاف منه.

يصنع مكانًا.

ثم يجعلك تبحث عن مخرج منه.

يصنع خطرًا.

ثم يجعلك تهرب.

لكن إذا كان العقل قادرًا على صناعة شخص كامل في حلمك…

فكم شخصًا آخر صنعه في حياتك وأنت لا تعرف؟


قد تكون هناك لحظات قابلت فيها شخصًا وشعرت أنك تعرفه.

من دون سبب.

وقد تكون هناك أماكن دخلتها وشعرت أنك رأيتها من قبل.

وقد تسمع جملة من شخص غريب فتشعر بأنها كانت موجودة في رأسك أصلًا.

نقول:

  • «غريب».

ثم ننسى.

لكن ماذا لو لم تكن الغرابة في الحدث؟

ماذا لو كانت الغرابة في طريقة عمل الوعي نفسه؟


أخطر شيء في الإنسان ليس أنه يستطيع أن يخاف من أشياء غير موجودة.

الأخطر…

أنه يستطيع أن يجعل الأشياء غير الموجودة تبدو حقيقية جدًا.

وهذا يعني أن الخوف لا يحتاج دائمًا إلى وحش.

لا يحتاج إلى غرفة مظلمة.

لا يحتاج إلى صوت خلفك.

أحيانًا يكفي سؤال واحد:

  • هل كل ما يحدث داخل رأسي يأتي مني؟

لا تحاول الإجابة الآن.

لأنك إذا فكرت قليلًا…

ستلاحظ شيئًا غريبًا.

أنت تقرأ.

ثم تفكر.

ثم تلاحظ أنك تفكر.

ثم تفكر في أنك تلاحظ أنك تفكر.

ثم تلاحظ ذلك أيضًا.

إلى أين ينتهي هذا؟

من يراقب من؟

ومن يقف في آخر هذه السلسلة؟


ربما لا يوجد أحد.

وربما هذا هو الجزء الأكثر رعبًا.

ربما «أنت» ليست شخصًا مختبئًا في مكان ما داخل رأسك.

ربما «أنت» مجرد اسم أعطيناه لهذه العملية كلها.

  • للأفكار.
  • للذكريات.
  • للخوف.
  • للرغبات.
  • للوعي.

ثم صدقنا الاسم.


لكن إذا كان هذا صحيحًا…

فمن الذي يقرأ الآن؟

إذا قلت:

  • «أنا».

فاسأل نفسك مرة أخرى:

  • من هو أنا؟

ثم لا تجب.

فقط انتظر الفكرة التالية.

راقبها وهي تظهر.

راقبها دون أن تصنعها.

ودون أن تختارها.

ثم اسأل السؤال الأخير:

  • إذا كنت تستطيع مراقبة أفكارك… فمن الذي كان يراقبك وأنت تفكر بها؟

لا تبحث عن الإجابة الليلة.

بعض الأسئلة…

لا تخيفنا لأنها بلا إجابة.

بل لأنها تجعلنا نشك في الشخص الذي كنا نظنه طوال حياتنا…

نحن.

هل أعجبك محتوانا؟ أضف برو عرب إلى مصادرك المفضلة في جوجل لتصلك منشوراتنا مباشرة في نتائج البحث.

أضفنا كمصدر مفضل على Google

هل كان المحتوى مفيداً؟

نعم
لا
شكراً لملاحظاتك.

إعلان - Advertisement

نور الهدى خليل

كاتبة شغوفة بالكلمة والأفكار التي تلامس الإنسان من الداخل. أكتب بأسلوب بسيط وعميق، وأهتم بالمواضيع النفسية والاجتماعية وتفاصيل الحياة التي نعيشها ولا نجد دائمًا الكلمات المناسبة للتعبير عنها. أؤمن أن المقال الجيد لا يكتفي بأن يُقرأ، بل يترك سؤالًا أو شعورًا يبقى مع القارئ بعد انتهائه.