ما بيني وبين الأشياء التي أحببتُها مسافةٌ لا تُقاس
ما بيني وبين الأشياء التي أحببتُها… مسافةٌ لا تُقاس، وكأنني أمشي دائماً في الاتجاه الخطأ، في التوقيت الخطأ، داخل حكايةٍ كُتبت لتُروى عن غيري.
ما بيني وبين الأشياء التي أحببتُها… مسافةٌ لا تُقاس
لم يكن لي نصيبٌ في تلك الأشياء الّتي أحببتُها سوى النظرِ إليها من بعيد، كأنّني خُلقتُ لأكون شاهداً لا شريكاً، ومُراقباً لا مُشاركاً، كنتُ أراها تمرّ أمامي، واحدةً تلو الأخرى، بكامل بهائها، بكلّ ما في تفاصيلها من حياة، دون أن تلتفتَ إليّ، دون أن تُدرك أنّني أحببتُها طويلاً، وانتظرتُها كثيراً، واشتقتُ إليها بقلبي كلّه.
كأنّ هناك مسافةً غريبة بيني وبين ما أُحب، مسافة لا تُقاس بالأمتار ولا بالأميال، بل تُقاس بانكسارات القلب وارتباكات الروح، مسافةٌ تعلّمتُ أن أعيش داخلها، أن أرتّب فيها أحلامي القديمة، وأُقنِعَ نفسي بأنّ القربَ من الأشياء لا يعني دائماً امتلاكها، وأنّ بعض الأشياء إن اقتربتَ منها احترقتَ، وإن ابتعدتَ صرتَ أكثرَ فهماً لها، وأكثرَ إحساساً بغيابها.
لطالما أحببتُ أشياءَ كثيرة، أشخاصاً، أماكنَ، تفاصيلَ صغيرةً لم يلحظها أحد، وأحلاماً لم تُزهر يوماً، وكلّما حاولتُ الاقتراب، شعرتُ بأنّ الدنيا تدفعني قليلاً إلى الوراء، كأنّها تُذكّرني: مكانُك هناك، خلف الخطّ، خارج السطر، بعيداً عن المناداة، بعيداً عن النصيب.
كان المؤلمُ دائماً أن أُجيد الصمتَ أمامَ تلك الأشياء، أن أكتفي بالنظرِ إليها وهي تمضي، أن أُخفي انفعالي العميقَ خلفَ نظرةٍ ثابتة، وخلفَ ابتسامةٍ مُتعبة، لم أصرخ، لم أُعاتب، لم أطلب، فقط كنتُ أنظرُ، وأُدركُ أنّ الحُبّ لا يكفي دائماً، وأنّ الشوقَ لا يمنحُك تذكرةَ دخول، وأنّ ليس كلّ مَن انتظرَ نال.
وهكذا، باتت الأشياءُ الّتي أحببتُها محفوظةً في ذاكرتي كبطاقاتٍ قديمة، أتأمّلها حين يطولُ الليل، وأتمسّك بها كما يتمسّكُ الغريقُ بصورةِ اليابسة، رغم علمهِ أنّها لن تنتشله.
وما بيني وبينها… لا يزالُ البُعدُ قائماً، والمكانُ واحداً، والنظرُ طويلاً.
تم نسخ الرابط





