عودة في الذاكرة للمسجد الكبير في حلب
عودة في شريط الذاكرة لتلك الزيارة التي بقيت تعيش داخل تجاويف الروح والذاكرة، المسجد الكبير في حلب أو مسجد زكريا، صَرح تاريخي يروي فصولاً من الحضارة.
من شريط الذاكرة “عودة للمسجد الكبير في حلب”
صباح الأحد من أكتوبر
صوت فيروز يصدح “وحدن بيبقوا متل زهر البيلسان”، وبرودة تنساب من النافذة المكسورة لتخترق الجسد وتبث القشعريرة في الجسد وتوقظُ ذكرى مَضت!.
حلب القديمة خريف سبتمبر 2010
بين الأزقة الضيقة القديمة، قُرب الجامع الكبير، ورائحة الشوارع مُعطّرة بزخات المطر التي انسابت لتغسل أرواحاً تفيضُ بالحنين.
وقفتُ أمام الجامع الكبير أتأمله، كان عُمري حينها أربعة عشر ربيعاً، وعلى الرغم من صغر سنّي، إلا أنني كثيراً ما كُنت أتأمل التفاصيل وأقرؤها عن كَثب بطريقة تخالف المُعتاد من أبناء جيلي.
نادت والدتي علينا تطلب منّا ارتداء عباءات مخصصة لتلك النسوة غير المحجبات، اذكرُ أن العباءة كانت كبيرة لكنني سُعدت بها كثيراً، ثم… خطينا أولى خطواتنا على عتبة الجامع ونادينا “بسم الله”.
أُقسم بأغلظ الإيمان، أنني وفي تلك اللحظة شعرت بوخزٍ في صدري أوقد جذوةً في قلبي تضخُّ دماءً ساخنة وتُصيبني بخشوعٍ لم أعهده سابقاً.
داخل المسجد الأموي الكبير
دخلت الساحة الكبيرة حيث يجتمع الحمام وصوت هديله يرنّ في المسامع ولا يُنسى، صلّينا وزُرنا مقام النبي “زكريا عليه السلام”، ورائحة البخور تملأ الغرفة الكبيرة ذات الثريا المتدلية كعناقيد العنب الطازج.

بكيتُ…. بكيتُ وكأنني أحمل داخل جوفي الصغير بُكاءً كسيول الأنهار، لا أعلم لماذا، لكنني شعرت بقربي من الله، برائحة الطهارة، بسكينة الروح وتضميد الفؤاد.
جميعها كانت ذات صوتٍ ساكنٍ، يرنّ فقط في روحي، دون لغة، أو لهجة… إنما فقط شعوراً ينساب مع كل كسرٍ يُجبّر، وداءٍ يُداوى، وألمٍ يُبلسم.
قلتُ في نفسي حينها، أنني أريد تكرار هذه الزيارة، أريد البقاء وقتاً أطول، أُريد أن أمرر يدي على جدران الجامع أكملها، وتأمل المسقاة المغطاة بقبة.
أريد أن أنظر أكثر لمئذنة الجامع، والإبقاء على صوت الإمام حين يقول: “حيّ على الصلاة”، وإني أشهد أن من دخل المسجد الكبير في حلب فإنه سيعيش تلك التفاصيل والرهبة واللهفة والرعشة الأولى كما لو كان يزور جامعاً لأول مرة.
حلب 2013
انهيار المئذنة التاريخية نتيجة القصف العشوائي بالدبابات الحكومية، واحتراق مصلى النساء بالكامل واشتعال النيران في المكتبة الوقفية التاريخية…..
حينها…. بقي فقط الذكرى!!.
انتهت.
تم نسخ الرابط





