من طرائف العيد “عيديات مفقودة”
تلكِ الضحكات التي أرهقت قلبنا من شدّتها، جعلتنا اليوم على مانحن عليه، أعياد وتكبيرات وحلوى العيد، ترمي ضحكاتنا للذكرى على شاطئ العمر، من طرائف العيد “كوميديا”.
طرائف العيد “عبثيات كوميدية”
وكما هي العادة في كلِّ الأعياد التي تحدُث… هناك ناجٍ وحيد… الأم!
بدأت تكبيرات العيد، “الله أكبر كبيرا والحمدلله كثيرا”…
رائحة المعمول تُضفي على الأجواء مزيداً من المرح، فضلاً عن شعورٍ آخر لا يمكن وصفه، إنه الأحساس بأنك خفيف، لا وزن لك، تطير وتحلّق مع صوت ضحكات الأطفال وتمتمات النسوة في الحي!.
قررت النزول إلى الشارع لأراقب الأجواء عن كثب وأتلذذ برائحة المعمول والكعك وتراكض الأطفال نحو الأراجيح، وأيضاً لكي أترك ابنتي (ناي) تعيش تفاصيل العيد بالكامل، وقبل أن أضع قدمي على السلم أنا وطفلتي، سمعت صوت والدي ينادي: نايا…
تساءلت عمّا يريده وإذ به يكمل: تعي جدّو تعي، خدي عيديتك، يلا هاتي بوسة!!.
ـ بابا مافي داعي ولله…
لا بنتي مادخلك هي عيدية من جد لحفيدتو قليلا تاخدا وتعطيني بوسة.
ـ روحي ماما بوسي جدو وقليلو الله يرزقك، ثم جاءت أمي لتكمل مافعله والدي وتضع في جيب طفلتي المزيد من النقود.
وهنا، كان النصر حليفي، لقد نَسيت تماماً أن العيد حافل بـ “العيديات” مما يعني أن جيبي حافل بالنقود التي لم أسعى لتحصيلها على الإطلاق، بل وصلتني فقط لأنني أنجبت طفلة، ويا ليتني أنجبت أطفالاً أكثر!.
نزلنا إلى الشارع، فرأيت أم تصرخ بوجه طفلها وتخبره بأن النقود هذه عليها أن تبقى معها فحسب، وبأنها ستعطيه القليل في كل مرة يطلب منها شيء!.
قلتُ في نفسي: نفس المشاكل كل سنة، نفس الخناق والعياط والبهادل، هدول الأولاد ايمت رح يفهمو؟ كيف بدي أقنع نايا أنو ألي على ماما 3000 ل.س من سنة الـ 2001؟، كيف بدي اقنعا أنو كانت حجة أمي بهداك الوقت أنو بدها “تخبيلي ياهن” ولهلق بعدن مخبايين!!.
وإذ نَطق هذا اللسان الصغير بما خَشيت أن ينطق، قالت ناي: ماما وين مصاري جدو اللي أخدتيهم مني؟.
ـ ماما هني بجيبتي رح نروح نشتري شغلات فيهن.
بس ماما أنا بدي المصاري تكون معي مشان شو ماشفت أشتري لوحدي.
ـ أي خلص حبيبي ماتخافي أنا لوحدي كل ماشفتك بدك شي بعطيكي!.
طيّب…
طبعاً تبعَ تلك الـ “طيب” تمتمة لم ألتقطها، غالباً هي أفٍّ على الساعة التي خلُقت بها في أحضان أمٍ مثلي!، لا مشكلة لدي، مع الوقت ستفهم بأننا حقاً “بنخبيلهم المصاري”.
ماما ماما… ليكي هي السيارة الزهرية، بدي منّا.
ـ مامعنا ماما وبعدا هلق رايحين عالمراجيح.
ماما أنا معي، مصاري جدو وتيتا، عطيني ياهن أنا بشتري.
ـ لا ماما ماخرج حرام هي غالية كتير بنشتري غير شي.
طيّب… ليكي ماما خرج تشتريلي أكلات طيبة؟
ـ حبيبتي نايا شبك؟ مابقا تروقي خلينا نوصل للمراجيح ونشوف أدي رح ندفع وبعدين بنشوف بقية الشغلات شبك؟.
وصلنا إلى ساحة الألعاب، وضعناها على الأراجيح وبدأنا بمراقبتها وهي تلعب ولا توفّر على نفسها أي لعبة على الإطلاق.
ثم ذهبت في شرودي نحو الماضي… حيثُ كنت الطفلة المدللة، إذ كان يقترب مني شباب الحي ويمسكون خدّي ثم تتبعها قبلات هوائية لا ألتقط منها سوى الحب واللطافة، ثم يضعون في جيبي الصغير بضع وريقات تقوم أمي بسحبها فوراً لـيتبعها ملاحظاتها حول الطفولة وبأننا لا نعلم تماماً كيف نتصرف بالنقود مثلما يفعلون هم.
لكن مهلاً، أنا أتفهّم هذا بالتأكيد لأننا كنّا صغاراً، ولكن ماذا عن تلك النقود التي وصلتني لدى نجاحي في الصف التاسع؟ ههه، تلك هي الأم إنها ينبوع من الحنان وكتلة من الغرابة في آنٍ معاً.
ثم جاء صوت نايا وهي تقول: خلّصت ماما، حاج لعب خلينا نتمشى ونشتري أكلات.
ـ ماشي ياعيوني تعي نتمشى ونحكي شوي… هالدني يا ماما ربّتنا كتير وعلّمتنا كتير، مريّنا بقصص وتفاصيل بطفولتنا مع أهالينا مالها تفسير، ورغم هيك بقيت معلقة بذاكرتنا محفورة وألها طعم خاص، عيديات مفقودة، وتنبيهات غريبة ودائمة، وتربية كلها عبارة عن كلمة “لأ” وضرب بمختلف أنواع الأسلحة الخاصة بالأم.
ـ كل هدول، هلق ذكرى، معلقين فينا وبنطبقهم بدون وعي، رغم أنو كان العهد مع أنفسنا أنو نتجنبهم، بس باللاوعي بنلاقي حالنا بنشبه أمهاتنا، بشغلاتهم الحلوة، مثلاً ريحة المعمول وقت تفوح ونركض لناخد قطعة بالسر ونسمع أمي عم تنادي “مين عم يخلص المعمول؟”، كل هدول ياماما حلوين، حلوين كتير رغم أنو بوقتا كانو صعبين.
ـ لهيك تعي ياماما، خلينا نشتري كل شي بعيدياتك، وبلا ما نخبيهم شو رأيك؟.
لا ماما، مابدي اشتري بكل شي أجاني من عيديات، خليني أشتري شوي وأترك الباقي لبعدين، هيك أحسن مشان كل مابدي شي باخد البدي ياه وبشتري فوراً…
ـ كبرتي ياعيوني، وعم تفهمي كل شي… رح يجي يوم واقرأ كل المواقف، وأتذكر أنك بهالفترة كنتِ صعبة وحنونة وذكية وكل شي، كنتِ كل هدول، بس الشي اللي كان أكيد، أنك قلبي وحبك مانو مشروط بشي، بمرّك قبل حلوك، أنتِ الحب الأول والأخير، وأنتِ العيد!.
هيك هيي الأم، هيك كانت أمي وكل أم سورية، حنونة بطبعها، ألها ريحة خاصة بتميز حضنها، حتى لمسة أيدها كانت دافية رغم قساوتها، ونحن هيك، يمكن لازم نبقى هيك، مو هاد اللي بميزنا؟ هاد اللي لازم يكون التقليد المتعارفين عليه لآخر العمر.
تم نسخ الرابط





