إعلان - Advertisement

من عابر سرير إلى ذاتي

بدأت قصتي من عابر سرير إلى ذاتي، حيث وصلت للغاية الأسمى حينما كشفت الغطاء عن نفسي وفهمتها، ثم كرهتها لأنها شغوفة خصبة على أرضٍ جدباء!.

من عابر سرير إلى ذاتي ثم نقمي على نفسي وبلادي

في غابر الزمان، ورقعةٍ بيضاء يتوسط قلبها نرجس القلعة المُشيدة، بحجارةٍ عتيقة شيّدت تاريخًا ملحميًا يعبق بالنضال….. كُنت أنا!!

حلب / شتاء 2011

بينما كانت السُحب تظللُ وجه السماء، وتنثر دموعها متفرقة من فرط الحنين، كانت قدماي تحملاني حيثُ أشعر بأنني في هذا العالم وحدي…. لربما كان لدي عالمي الخاص وهذا ما جعلني أعيش تفاصيل الجمال بتأمل شديد يفوق التصوف والمتصوف وزَهدهِ.

أراقب قطرات المطر والندى الذي ينسدل بسلاسة على النوافذ، أتمشى في الأزقة الضيقة وتلفح الرياح وجهي بنسماتها الباردة، أسناني تصطك من شدة البرودة، وعيناي يُدفئهما جمال الأرض.

ابتاعُ لنفسي كوبَ قهوة…. وأشعر بالسلام! هذا هو أعلى درجات السعادة بالنسبة إلي… دائمًا ما كُنت أشعر بأنني أفكر بطريقة مختلفة عن الغير…. عاطفتي تغلب النسوة وتخالفهم في الفكرة.

أتعمق في الأشياء فلا تمرّ عليّ دون أن أحفظ تفاصيلها عن ظهر قلب، لم أكن أعرف كيف الوصول إلى ما أنا…. بل كانت قدماي تقتادني حيث أتأمل العالم بوِسعهِ وضآلة جسمي!.

مررتُ لمنزل جدتي…. ولمحت ذاك الكتاب الذي لمع في عيني وكأنه الوحيد الماثل في المكتبةِ، توقفت لبرهة أمام المكتبة أتأمل العنوان ثم أمسكته…… عابر سرير / أحلام مستغانمي!.

خطفتني الذكرى إلى عمر الطفولة…. عندما كُنت أخطّ بأناملي الصغيرة كلماتٍ بسيطة تروي براءةً تفوح بعنفوانها السرمدي، قصص أطفالٍ لخيالٍ ثري يقبع داخل دماغٍ صغير!.

عابر سرير…. خالد وناصر وزيان، وصراعهم الأزلي، دخلت في أعماق الرواية وعشتُ كامل التفاصيل مع أبطالها…. يا لهول ما رأيت…. لقد كُنت أنا داخل تلك الصُفيحاتِ…. تلك هي عوالمي.

أرفض الواقع بصخبه وحروبه وويلاتهِ، واغترب عنه لأتوسد وطن الورق والأقلامِ…. هنا ذاتي… هنا أنا وتلك كانت بدايتي!
من أحلام… إلى جميع كتبها… ثم خلوة الفلواتِ، التي ينضج بها كل شيء ما إن رَست على بر الرواياتِ….

لقد وجدت نفسي هنا…. ومنه انطلقت رحلتي في تفريغ كل ما أشعر به على الورقِ…. ثم صقل تلك الحروف لتصبح أكثر قوة وثراءً….. فكانت تصفني بدقة وكأنها تحكيني وتحيكُ لي حياةً أرجوها في الغيباتِ.

كتبت حينها لحبيبي أولى الكلماتِ، لم يكن حينها يوجد مثل تلك التطبيقات “ذو الوجه الأزرق” الخاص بالتواصل…. كُنت أرسل له حروفي بهاتفي القديم ذو الأزرار المتآكلة… قلت له حينها:

عليٌّ أنت واسمكَ يغمرني بشعورٍ يغلفه العلو،
حبك يجعل ذاك المبسم الخجول يشعر بالزهو،
متفاخرٌ هو لكونك أنت حبيبه وإليك يميل ويدنو،
بينما تعبث أنت وتطيل فراقك فلا تحنُّ على قلبي المتيم المخبول.

ثم ارفقتها بوسائط أغنية جوليا بطرس “حبيبي”…. وحينها بدأت أنا… بينما مات هو!
بدأت الحرب تدق بناقوسها على واقعنا المرير…. وتُنذر بخطرٍ مشؤوم سيطحن ذات الألباب والقلوب…. قصف وتهجير ونزوح.

لذا لجأت لذاك الدفتر البني المهترئ، لأخطّ حروف آلامي وأصيغها كما هي في قلبي…. سمٌّ لا ترياق له…. أُخرجه على الملأ فيفهمه ذا اللب ويستهجنه الجهّال الذي يرفض الخضوع.

بقيت الحروف تُسرد…. وتنهمر كـ رشق الرصاص على الورق…. علّ القلب يخفف عن ما يثقله… لكن الحروف دُفنت تحت الأنقاض… وبقيت أنا بآلامي وأحزاني….

حزينةٌ أنا على بلادي… أهلي وناسي وواقع هذه الأرض من بين كلّ البلدان….. يا حسرتنا على حالنا وحال شبابنا… كلٍّ على جنبهِ ينام ويُدير ظهره للموت غير آبهِ…. أحدهم يروي وجعاً على ورقه…. وآخر يحلم بأن يرسم واقعًا آخر يخالف كل ما تخلفهُ الغربان.

رغم أن عابر سرير… أوصلني إلى ذاتي…. إلا أن واقع بلادي أخرجني من حالي وأحوالي…. وجعلني أهيم حبًا بكلّ ما يُبعدني عن شعوري بالنقم على ذاتي…. كل ما يشبهني ويذكرني بوجع الحرب والويلاتِ.

فهل عليّ أن أكره ذاتي؟ بعد أن وصلتها ونقبّت بين سراديبها لألتقط مفاتيحها فلا أعود لوجع الغربة عن ذاتي!، أم أحبّها وأكره هذه الأرض التي تجعلنا نكره كل ما يُذكرنا بأننا ضحايا…. ضحايا الوجع… الألم… السخط والكراهية… ضحايا صرنا نهرب من ذواتنا…. حتى لا نقترب مما يُذكرنا بأننا أمسينا فتات على هذه الرقعة نواظب الغناء لها على وتر الآهاتِ.

نهرب من كل شيء يذكرنا باحتياجاتنا وأحلامنا وطموحاتنا…. وكل ما تدمر بفعل الغربان والذئاب والطامعين والمستغلين….. كفاني قولاً هنا… قفا نبكي حالنا وذواتنا وأرضنا وأهلنا وشرفنا وعرضنا….. قفا نبكي سوريا إلى يوم تكفهر وجوه الغربان وتبيض وجوه الصابرين المؤمنين ووداعاً لـ تيكَ الذاتِ.

تم نسخ الرابط

هل كان المحتوى مفيداً؟

نعم
لا
شكراً لملاحظاتك.

إعلان - Advertisement

فريال محمود لولك

الكتابة هي السبيل للنجاة من عالمٍ يسوده الظلام، ننقل بها سيل المعلومات لتوسيع مدارك القارئ المعرفية، أنا فريال محمود لولك، من سوريا، خريجة كلية التربية اختصاص معلم صف، وكاتبة منذ نعومة أظفاري، من وحي المعاناة وجدت في الكتابة خلاصي، ورأيت بها نور الله الآمر بالعلم والمعرفة، فاقرأ باسم ربك الذي خلق. فإن القراءة هي الطهارة لعقلك من كل جهل.