إعلان - Advertisement

من يدّعي النقاء وهو كاذب بقلم: نور الهدى خليل

أخطر الكاذبين ليس من يكذب على الآخرين، بل من يكذب على نفسه ثم يقف أمام الناس متحدثًا عن النقاء.

هناك أشخاصٌ يتحدثون عن الأخلاق كما لو أنهم وُلدوا بلا أخطاء، وعن الصدق كما لو أن الكذب لم يمرّ يومًا من بين شفاههم، وعن الطيبة كما لو أن قلوبهم لم تعرف الحقد.

يرتدون ثوب النقاء بإتقان.

لكن الثوب لا يغيّر الحقيقة.

فالإنسان النقي حقًا لا يحتاج إلى إعلان نقائه.
ولا يضع لافتةً على صدره تقول: «أنا مختلف عنكم».

النقاء الحقيقي هادئ.

  • لا يصرخ.
  • لا يبحث عن جمهور.
  • ولا يحتاج إلى أن يثبت نفسه كل خمس دقائق.

أما من يكرر الحديث عن طهارته، فقد يكون أكثر الناس خوفًا من أن يكتشف الآخرون ما يخفيه.

الغريب أن بعض البشر لا يكذبون فقط عندما يتحدثون عن أنفسهم، بل يعيدون كتابة تاريخهم كاملًا.

يمحون أخطاءهم من ذاكرتهم، ويحتفظون بأخطاء الآخرين.

يتذكرون اللحظة التي ظلموا فيها وكأنها لم تحدث، لكنهم يحتفظون بتفاصيل دقيقة عن كل مرة شعروا فيها أنهم تعرضوا للظلم.

  • يسامحون أنفسهم بسرعة.
  • ويحاكمون الآخرين ببطء.

وهنا يبدأ الكذب الحقيقي.

ليس الكذب أن تقول شيئًا غير صحيح فحسب.

أحيانًا يكون الكذب أن تصنع داخل رأسك نسخةً من نفسك لا تشبهك.

  • نسخةً بلا أنانية.
  • بلا غيرة.
  • بلا خوف.
  • بلا ضعف.

ثم تبدأ بالدفاع عن هذه النسخة أمام الجميع.

لكن الإنسان لا يصبح نقيًا لأنه أخفى عيوبه.

فالظل لا يختفي لأنك أطفأت الضوء.

وأسوأ ما يمكن أن يفعله الإنسان بنفسه أن يقتنع بأنه صالح فقط لأنه وجد شخصًا أسوأ منه.

«أنا لم أفعل ما فعله».

ربما.

لكن السؤال الحقيقي ليس: هل أنت أسوأ منه؟

السؤال:

  • هل أنت صادق مع نفسك؟

لأن المقارنة قد تمنح الإنسان شعورًا زائفًا بالبراءة.

قد تنظر إلى شخصٍ يغدر وتقول: «أنا لا أخون».

ثم تنسى أنك ربما كسرت قلب شخصٍ بطريقة أخرى.

وقد ترى كاذبًا وتقول: «أنا صادق».

بينما تخفي أنت نصف الحقيقة عندما تكون الحقيقة ضد مصلحتك.

النقاء ليس غياب الخطأ.

النقاء هو القدرة على الاعتراف به.

أن تقول:

  • نعم، أخطأت.
  • نعم، ظلمت.
  • نعم، كنت أنانيًا.
  • نعم، قلت شيئًا لم أكن أعنيه.
  • نعم، خذلت شخصًا كان يستحق مني أفضل.

هذه الاعترافات لا تجعل الإنسان قبيحًا.

بل تجعله حقيقيًا.

فالإنسان الذي يعرف عيوبه أخطر على كذبه من الإنسان الذي يعتقد أنه بلا عيوب.

لأن الاعتراف بداية التغيير.

أما الإنكار، فهو السجن الذي يعيش فيه الإنسان وهو يظن أنه حر.

وربما لهذا السبب يخاف بعض الناس من المرآة.

ليس لأن المرآة تكشف وجوههم.

بل لأنها لا تستطيع أن تكذب عليهم.

تُظهر الوجه كما هو.

لكن هناك مرآة أخرى أكثر قسوة:

  • الوقت.

فالسنوات تكشف الإنسان أكثر مما تكشفه الكلمات.

يمكنك أن تتظاهر بالطيبة يومًا.

وشهرًا.

وربما عامًا.

لكن لا يمكنك أن تتحكم في حقيقتك إلى الأبد.

في النهاية، ستأتي لحظة يتعب فيها القناع.

وتظهر الشخصية التي كانت تختبئ خلفه.

عندها لن ينفعك الكلام عن النقاء.

لأن الأفعال، على عكس الكلمات، لا تعرف المجاملة.

لذلك لا تثق كثيرًا بمن يخبرك كم هو نقي.

راقب فقط كيف يتصرف عندما لا يحتاج منك شيئًا.

كيف يتحدث عن شخصٍ غائب.

كيف يعامل من لا يستطيع أن يفيده.

كيف يتصرف عندما يغضب.

كيف يعتذر عندما يخطئ.

وكيف يتعامل مع القوة عندما تصبح في يده.

هناك، بعيدًا عن الكلمات، تبدأ الحقيقة.

وربما أجمل أشكال النقاء أن تعرف أنك لست نقيًا تمامًا.

أن تحمل داخلك الخير والشر، الرحمة والقسوة، القوة والضعف، ثم تختار كل يوم أيّ جانب تريد أن تغذّي.

فالإنسان ليس ملاكًا.

وليس شيطانًا.

إنه كائن يتغير مع كل قرار.

ولهذا، فإن من يقول:

  • «أنا لا أخطئ».

قد يكون أكثر كذبًا من شخصٍ يقول:

  • «أنا أخطئ، لكنني أحاول أن أصبح أفضل».

لأن الاعتراف بالنقص ليس عيبًا.

العيب أن تجعل من إنكار نقصك فضيلة.

وفي النهاية…

لا تخف من الإنسان الذي يقول:

  • «أنا أخطأت».

احذر أكثر ممن يقول:

  • «أنا لا أخطئ».

فالأول يعرف أنه إنسان.

أما الثاني…

فقد أمضى وقتًا طويلًا في صناعة كذبةٍ صدقها حتى لم يعد يعرف أين انتهى القناع وأين بدأ وجهه الحقيقي.

هل أعجبك محتوانا؟ أضف برو عرب إلى مصادرك المفضلة في جوجل لتصلك منشوراتنا مباشرة في نتائج البحث.

أضفنا كمصدر مفضل على Google

هل كان المحتوى مفيداً؟

نعم
لا
شكراً لملاحظاتك.

إعلان - Advertisement

نور الهدى خليل

كاتبة شغوفة بالكلمة والأفكار التي تلامس الإنسان من الداخل. أكتب بأسلوب بسيط وعميق، وأهتم بالمواضيع النفسية والاجتماعية وتفاصيل الحياة التي نعيشها ولا نجد دائمًا الكلمات المناسبة للتعبير عنها. أؤمن أن المقال الجيد لا يكتفي بأن يُقرأ، بل يترك سؤالًا أو شعورًا يبقى مع القارئ بعد انتهائه.