مَن الذي يفكر عندما تقول: أنا؟ بقلم / نور الهدى خليل
جرّب الآن أن تقول في رأسك: أنا، لا تنطقها بصوت مرتفع، فقط فكّر بها.
أنا.
والآن اسأل نفسك سؤالًا بسيطًا جدًا:
- من الذي قالها؟
ستقول: أنا.
لكن هذا ليس جوابًا.
لأن السؤال أصلًا هو:
- من هو «أنا»؟
وهنا تبدأ المشكلة.
- أنت تعرف اسمك.
- تعرف عمرك.
- تعرف شكلك.
- تعرف الأشياء التي تحبها والأشياء التي تكرهها.
- تتذكر طفولتك.
- تتذكر أشخاصًا دخلوا حياتك ثم خرجوا منها.
لكن كل هذه الأشياء ليست أنت
- اسمك يمكن أن يتغير.
- شكلك يتغير.
- آراؤك تتغير.
- جسدك يتغير.
- حتى ذاكرتك تخونك.
ومع ذلك، هناك شيء داخلك يستمر في قول:
أنا ما زلت أنا.
لكن ماذا يعني ذلك؟
تخيل أنك فقدت كل ذكرياتك غدًا
- استيقظت في الصباح.
- نظرت إلى المرآة.
- ولم تعرف وجهك.
- لم تعرف اسمك.
- لم تعرف أين أنت.
- لم تتذكر أمك.
- ولا أصدقاءك.
- ولا طفولتك.
- ولا أي شيء حدث لك.
هل ستظل أنت؟
غالبًا ستقول نعم.
لكن لماذا؟
إذا كانت كل الأشياء التي استخدمتها لإثبات أنك «أنت» قد اختفت، فما الذي بقي؟
والآن تخيل شيئًا أكثر غرابة
- أنك لم تفقد ذاكرتك.
- بل فقدت شخصيتك.
استيقظت غدًا وأصبحت تحب كل ما كنت تكرهه.
تخاف من الأشياء التي كنت شجاعًا أمامها.
تكره الأشخاص الذين كنت تحبهم.
وتريد حياة مختلفة تمامًا.
لكن ذكرياتك بقيت كما هي.
هل أنت الشخص نفسه؟
إذا قلت نعم، فهذا يعني أن شخصيتك ليست أنت.
وإذا قلت لا…
فمن أنت إذًا؟
هناك شيء أغرب
أنت لا تختار معظم أفكارك.
الفكرة تظهر.
ثم تراها.
ثم تقول:
- «أنا فكرت بهذا».
لكن انتظر.
إذا كنت أنت من صنع الفكرة، فلماذا احتجت إلى انتظار ظهورها حتى تعرفها؟
لماذا لا تستطيع أن تعرف فكرتك القادمة قبل أن تأتي؟
جرّب.
لا تفكر الآن بأي شيء لمدة عشر ثوانٍ.
ثم حاول أن تعرف ما هي الفكرة التالية التي ستخطر في رأسك.
لا يمكنك.
ستأتي الفكرة أولًا.
ثم ستعرف أنها جاءت.
وهنا يظهر السؤال المخيف:
إذا كانت أفكارك تصل إليك قبل أن تختارها، فمن أين تأتي؟
ربما نحن لا نصنع أفكارنا
ربما نحن فقط المكان الذي تظهر فيه.
مثل نافذة ترى المطر.
النافذة لا تصنع المطر.
لكن المطر يظهر أمامها.
وربما العقل كذلك.
الأفكار تمر من خلاله.
- الخوف يمر.
- الحب يمر.
- الغضب يمر.
- الذكريات تمر.
ثم يأتي العقل ويقول:
- هذا أنا.
لكن ماذا لو لم يكن الأمر كذلك؟
- ماذا لو أن «أنت» ليست الشخص الذي يفكر؟
- ماذا لو أن «أنت» هو الشيء الذي يلاحظ أنك تفكر؟
لاحظ الفرق.
هناك فكرة.
ثم هناك شيء يعرف أن الفكرة موجودة.
إذا كنت تستطيع أن تلاحظ حزنك، فهذا يعني أن هناك جزءًا منك يرى الحزن.
وإذا كنت تستطيع أن تلاحظ خوفك، فهناك شيء داخلك يعرف أنك خائف.
وإذا كنت تستطيع أن تقول:
- «أنا أفكر كثيرًا».
فمن الذي يراقب هذا التفكير؟
ربما الإنسان يعيش طوال حياته وهو يخلط بين صوتين
صوت العقل…
وصوت من يسمع العقل.
وهذا الخلط هو الذي يجعلنا نقول:
- «أنا غاضب».
بدلًا من:
- «هناك غضب يحدث داخلي».
نقول:
- «أنا حزين».
بدلًا من:
- «هناك حزن أمرّ به».
نقول:
- «أنا خائف».
وكأن الشعور أصبح هوية.
لكن المشاعر تتغير.
قبل ساعة كنت شخصًا.
والآن أنت شخص آخر قليلًا.
بعد عشر سنوات ستكون مختلفًا أكثر.
ومع ذلك، ستنظر إلى صورتك القديمة وتقول:
- هذا أنا.
كيف يمكن لشيئين مختلفين جدًا أن يكونا الشخص نفسه؟
ربما لأن الإنسان ليس شيئًا ثابتًا.
ربما الإنسان عملية مستمرة.
مثل نهر.
هل النهر هو الماء؟
إذا كان كذلك، فالماء يتغير كل لحظة.
ومع ذلك يبقى اسم النهر نفسه.
ربما نحن كذلك.
نحن لا نبقى كما نحن.
لكننا نعطي التغير اسمًا واحدًا:
- أنا.
والآن تخيل شيئًا أكثر غرابة
ماذا لو كان «أنا» مجرد كلمة اخترعها العقل حتى لا يضيع وسط كل هذه التغيرات؟
ربما لم يكن هناك «أنا» في البداية.
- كان هناك جسد.
- إحساس.
- ألم.
- جوع.
- خوف.
- أصوات.
- صور.
ثم بدأ العقل يربط كل هذه الأشياء معًا.
وهكذا ظهرت قصة.
قصة تقول:
- «هذا جسدي».
- «هذه ذكرياتي».
- «هذه حياتي».
- «هذا مستقبلي».
- «وهذا أنا».
لكن القصة ليست بالضرورة الحقيقة
أنت تستطيع أن تتخيل شخصًا غير موجود.
وتستطيع أن تتذكر شيئًا لم يحدث تمامًا كما تتذكره.
وتستطيع أن تخاف من مستقبل لم يحدث.
وتستطيع أن تحزن على ماضٍ انتهى منذ سنوات.
عقلك قادر على صناعة عالم كامل من أشياء غير موجودة الآن.
ومع ذلك…
يعيش جسدك داخل هذا العالم كما لو أنه حقيقي.
فكر في ذلك الليلة قبل أن تنام
عندما تغمض عينيك، سيبدأ عقلك في إنتاج صور وأصوات وذكريات وأفكار.
ثم ستنام.
وفي أثناء النوم قد ترى نفسك في مكان آخر.
- قد ترى أشخاصًا تعرفهم.
- قد تتحدث.
- قد تهرب.
- قد تقع.
- قد تبكي.
وقد تستيقظ وتقول:
- «كان مجرد حلم».
لكن أثناء الحلم…
لم يكن هناك شخص داخل الحلم يقول:
- هذا حلم.
كان هناك «أنت» يعيش التجربة.
وهذا يفتح سؤالًا لا يحب العقل أن يسأله:
كيف تعرف أنك مستيقظ الآن؟
ربما العلامة الوحيدة التي نملكها هي أن الأشياء تبدو متماسكة.
الجدار أمامك.
الهاتف في يدك.
صوت من الخارج.
والوقت يتحرك.
كل شيء يبدو طبيعيًا.
لكن الحلم يستطيع أن يبدو طبيعيًا أيضًا.
إذن ربما السؤال ليس:
- هل هذا حقيقي؟
بل:
- كيف يقرر عقلك أصلًا ما الذي يسميه حقيقيًا؟
والآن عد إلى السؤال الأول
من الذي قال:
- أنا؟
- ربما أنت.
- وربما عقلك.
- وربما الذاكرة.
- وربما اللغة.
- وربما لا أحد.
ربما كلمة «أنا» مجرد إصبع يشير إلى شيء لا نستطيع تسميته.
شيء موجود قبل الاسم.
قبل الشخصية.
قبل الذكريات.
قبل القصة التي نحكيها عن أنفسنا.
شيء لا نستطيع الإمساك به…
لأن اللحظة التي نحاول فيها الإمساك به، يصبح هو نفسه شيئًا نراقبه.
وهنا ربما تكون أغرب مفارقة في الإنسان:
نحن نقضي حياتنا كلها نحاول أن نفهم أنفسنا، دون أن نتوقف لنسأل: من هو الذي يحاول أن يفهم؟
وربما…
إذا وجدنا الإجابة يومًا،
فلن نجد شخصًا هناك.
سنجد فقط…
وعيًا كان يراقب السؤال منذ البداية.





