إعلان - Advertisement

قصة حبيب غريب، صديق قريب – ندم سالم على أفعاله

لكل فعلٍ رد فعل، ولكل عمل مردود، ومن يكسر قلباً أحبّهُ مصيرهُ الندم لا محالة، ولكن الندم حتماً لا يعطي أي نتيجة، فـ ندم سالم على أفعاله كان متأخراً.

قصة حبيب غريب، صديق قريب ـ ندم سالم على أفعاله

تزوجها بسرعةٍ، مدفوعاً بالوهم، وسط ضجيج الاحتفالات وصورٍ كثيرة لا تحمل دفئاً حقيقياً، إلا إنَّ بعد شهرين فقط، انهار كل شيء خسر المطعم الذي يديره بسبب أزمة مالية مفاجئة، وتراكمت عليه الديون، وتلاشى كل ما بناه وعندما سقط، لم يجد سلوى بجانبه، تركته بهدوءٍ بارد، جمعت أغراضها ورحلت، وكأنها لم تكن يوماً جزءاً من حياته، كانت مع المال لا معه.

جلس سالم في غرفته الصغيرة، يتأمل صوره القديمة مع مايا، تلك الرسائل التي ما زالت محفوظة في هاتفه رغم مرور الوقت، شعر لأول مرة بثقل الندم الحقيقي، ذلك الذي لا يزول باعتذارٍ متأخر، أدرك كم كانت مايا مختلفة، وكم كان غبيًا حين استبدل الدفء بالبريق، والحبّ بالغرور.

في المقابل، كانت مايا في بداية طريقٍ جديد بدأت تدريبها العملي في أحد مكاتب السياحة، وكان محمود يرافقها كل صباح حتى باب المكتب، لم يكن بينهما استعراض للحب، بل طمأنينة تشبه البيت، كانا يتحدثان عن المستقبل، عن أحلام بسيطة، عن حياةٍ فيها شراكة لا امتلاك.

في إحدى الأمسيات، جلسا على مقعدٍ مطلّ على البحر، والريح تعبث بخصلات شعرها، فقال لها: بتعرفي شو أكتر شي بحبه فيك؟ أنك ما بتشبهيني، بس بتكمليني.

ضحكت وقالت: وأنا بحب فيك أنك ما حاولت تكون حبيب غريب كنت دائماً صديق قريب، لهيك صرت بالنسبة ألي كل الأمان.

تبادلا النظرات، وكان في الصمت بينهما وعدٌ غير منطوق وعد أن لا يكررا أخطاء الماضي، وأن يبقيا كما كانا دائماً: قلبين التقيا بعد أن أدركا أن الحب الحقيقي لا يأتي صدفة، بل يأتي حين ننضج كفاية لنفهم معناه.

أما سالم، فقد بقي يتعلم من خسارته بصمت، يراقب من بعيد أخبار مايا، ويبتسم بحزنٍ كلما رآها تضحك في الصور، لقد أدرك متأخراً أن المال يُشتري به كل شيء إلا الوفاء، وأن الحبيب الغريب لا يساوي صديقاً قريباً يملك قلباً صادقاً.

مرت ثلاث سنوات على ارتباط مايا ومحمود، كانت كافية ليختبرا فيها كلّ ما تعنيه الحياة من فرحٍ وتعبٍ وواقعية، فقد حان وقت الحب و تزوجا في حفل بسيط، بلا مبالغات ولا وعودٍ مزيّفة، فقط نظرات صادقة كانت كفيلة بأن تقول كل شيء، بيتٌ صغير على أطراف المدينة جمعهما، فيه رائحة قهوة الصباح، وضحك مايا المتناثر بين الغرف، وصوت محمود وهو يقرأ الأخبار أو يعزف على عوده في المساء، لم يكونا مثاليين، لكنّهما كانا حقيقيين وهذا وحده كان كافياً.

كانت مايا قد بدأت عملها في شركة سياحية كمنسقة رحلات، امرأة طموحة، قوية، تعرف كيف تبني اسمها بخطوات ثابتة، أما محمود، فافتتح ورشة صغيرة للإعلانات والتصوير، يحاول أن يخلق من شغفه عملاً يليق بأحلامه، كلاهما كان يدعم الآخر، يتعلمان من التجارب كيف يكون الحب أكثر من كلماتٍ تُقال، بل مشاركةٌ في كل تفصيلٍ صغير، من تعب النهار إلى دفء الليل.
اختبار أول، لا يوجد حياة كاملة، خالية من المشاكل والتحديات، لابدّ من وجود اختبار أول، واختبار ثاني… والقائمة تطول…

الحياة لا تمضي دائماً بهدوء، ففي تلك السنة، واجها أول اختبارٍ حقيقي لعلاقتهما، حين خسر محمود عقداً مهماً بسبب سوء تفاهم مع أحد العملاء، وبدأت الأزمة المالية تضغط عليه، تغيّر مزاجه، صار صامتاً أكثر من المعتاد، والقلق يملأ عينيه، حاولت مايا أن تكون السند الذي كان لها يوماً، جلست قربه وقالت: ما تخاف بتقوم من جديد، متل ما علمتني أقوم أنا من قبل.
ابتسم بتعبٍ وهمس: بس هالمرة خايف خيّب ظنك.
فمدت يدها على يده وقالت بثقةٍ تشبه النور: الظنّ بيتخيّب وقت بيكون الحبّ كذبة… بس نحنا حقيقيين، لهيك ما بخاف.

وبينما كانت الأيام تمتحنهما، ازداد بينهما التفاهم عمقًا، كأنّ الصعوبات لم تفرّق بينهما بل قرّبتهما أكثر، أدركا أن الحب لا يعني تجنّب العواصف، بل الوقوف سوياً في وجهها حتى تهدأ.

وفي لحظة من الصدف الغريبة التي يجلبها القدر، التقت مايا يومًا بـ سالم في أحد المؤتمرات السياحية، كان الزمن قد ترك أثره عليه، شاحب الملامح، منكسر النظرة، لكنّه ما زال يحتفظ بتلك النبرة التي كانت تُذيب قلبها يوماً، تقدم نحوها بابتسامةٍ خجولة وقال: ما كنت متوقع شوفك، بس يمكن هيك أراد القدر.
ردّت بهدوءٍ ناضج: القدر بيجمع الناس مو ليعيد الحكايات، ليذكّرنا ليش انتهت.
لم يكن في كلامها قسوة، بل صفاء من تجاوز الألم، تحدّثا قليلاً، ثم ودّعته بابتسامةٍ هادئة، وعادت إلى بيتها في المساء تحكي لمحمود عن اللقاء.
استمع بصمت، ثم سألها: حسيتي بشي لما شفتيه؟
ابتسمت وقالت: أي… حسّيت بالامتنان، لأنو كل شي مرق بحياتي هو يلي وصلني لعندك.
ضحك ووضع يده على شعرها، وقال: يمكن هيك بيكون العدل الإلهي لما يمنحنا بعد الألم حياة بتستحقنا.

ومع مرور السنوات، تحولت قصة مايا ومحمود إلى حكاية يُروى عنها بين الأصدقاء، عن حبّ وُلد من صدقٍ لا من اندفاع، عن شخصين بنيا سعادتهما على الثقة لا على الوعود.

وفي مساءٍ من أمسيات الشتاء، كانت مايا تجلس بجانب النافذة، تتأمل المطر وتكتب في دفترها: تعلمت أن الحبيب الغريب قد يرحل دون وداع، لكن الصديق القريب يبقى حتى يصير وطناً وأن الحب الحقيقي لا يغيّرنا بل يعيدنا إلى أنفسنا كما كنا قبل الخيبات.

ثم أغلقت دفترها، نظرت إلى محمود وهو يحضّر كوبين من الشاي، وقالت بصوتٍ دافئ: بتعرف شو؟ يمكن أول مرة بحياتي بحسّ إنّي وصلت.
ردّ بابتسامته المعتادة: ووصلتِ لعندي.
ضحكت وقالت:
تماماً وصلت لسلام يشبه بيتنا، وإلك.
وفي الخارج، كان المطر يهمس على زجاج النافذة، كما لو أنّه يصفّق لحبٍ لم يكن صاخباً، لكنه حقيقيٌّ بما يكفي ليبقى.

مرّت خمس سنوات أخرى، ولم تعد مايا ومحمود مجرد زوجين، بل أصبحا فريقاً متكاملاً، يجيدان مواجهة الحياة جنباً إلى جنب، كبرت أحلامهما كما يكبر طفل بين أيدٍ آمنة، وازداد بينهما الحبّ نضجاً وعمقاً، لم تعد مايا تلك الفتاة التي تبكي من خذلان، بل امرأة تعرف من أين تُشرق الشمس، وتعرف متى تصمت كي تُنصت للحكمة التي علمها إياها الزمن.
يُتبع…

تم نسخ الرابط

هل كان المحتوى مفيداً؟

نعم
لا
شكراً لملاحظاتك.

إعلان - Advertisement

نسرين أحمد جوخدار

اسمي نسرين أحمد جوخدار، كاتبة قصص قصيرة، أرى بالكتابة أكثر ممّا أرى بعيني، فهي نافذتي إلى العوالم الخفيّة، ومرآتي التي تُظهر ما لا يُقال.