قصة بعنوان “انتقام، حب” 3 نهاية خداع كمال وانتقام هبة
الوعود التي تبدأ بالكذب تنتهي دائماً بسرعة وبنهاية مؤلمة، فبعد نهاية خداع كمال وانتقام هبة المخطط له بذكاء، هل سيكتشف كمال أمرها ويتخلى عنها قبل أن تغدر بهِ؟
نهاية خداع كمال وانتقام هبة
خداع كمال وانتقام هبة الذي طال ولا نعلم متى سينتهي، ففي 20 مارس تمت دعوة هبة إلى أحد المطاعم الفخمة لتناول العشاء مع كمال.
كمال: جمالك فاتنٌ يا فتاتي.
هبة: شكراً لكَ.
كمال: هبة أنا…
هبة: قاطعت كلامهُ أنا جائعة، أفضل الطعام البحري، أريد أن أتناول السمك مع سلطة.
كمال: سيحضر يا عزيزتي.
هبة: تنظر إلى عيناه وفي داخلها تعيش مشاعر مختلطة، تعيش الحزن والكره والانتقام طرحت عليه الكثير من الأسئلة: ماذا تفعل في الحياة؟ وما هذهِ الصدف التي جمعتنا أكثر من مرة ولمَ أنتَ تسكن في المجمع الذي نحن نسكن بهِ؟
كمال: أنا أمتلك العديد من شركات الإنتاج والتوزيع الفني، كانت بدايتي كإعلامي، وتطورت في العمل حتى أصبحتُ أمتلك العديد من الشركات وأيضاً أمتلك منزلين، لكنني عندما رأيتكِ في المرة الأولى بالمطار، أُعجِبتُ بكِ وإعجابي بكِ أوصلني إلى هذا المكان.
هبة: لكنكَ تزيدني بالعمر بقدرِ عُمري.
كمال: لكن هذهِ ليست حجة، فحبي لكِ لا ينظرُ إلى فرقِ العمر.
هبة: سأطلبُ كأساً من الماء.
عندَ قدوم النادل إلى طاولة كمال وهبة، تزحلقَ بسبب شرودهُ حيثُ كانت عيناهُ تراقب هبة من لحظة دخولها المطعم فسقطَ كأس الماء على فستانها، واضطرت للذهاب مُسرعة إلى الحمام لتنظيف فستانها.
النادل يُدعى سعيد وهو شابٌ من عائلة مخملية يقطن في سويسرا لكنهُ اضطرَ السفر إلى ألمانيا بعد أن والدهُ أعطاه عقوبة وجعلهُ يسافر رغماً عنهُ ليلقنهُ درساً قاسياً، وليجعل منهُ شخصاً مسؤول يعتمد على نفسهُ.
في هذا الآوان لحقت بهبة فتاةٌ ناضجة بعمر الثامنة والعشرون من عمرها، وقفت بجانبها وأصبحت تستهزأ بها وتقول لها: ماذا تفعلين على تلكَ الطاولة مع زوجي؟
هبة “باستغراب”: عن من تتحدثين؟
ماريا: كمال، الشاب الذي تجلسين معهُ.
هبة: ماذا؟ حقاً كمال زوجكِ؟
في تلك اللحظة تجمّدت ملامح وجهها، لم تعد الكلمات قادرة على الخروج من بين شفتيها، وكأن الزمن توقف للحظات، شعرت بأن الأرض تهتز تحت قدميها، نظرتها البريئة التي كانت تنبض بالدهشة تحولت إلى صمتٍ مريب، والدماء تجمّدت في عروقها، لكن داخلها كان بركاناً من الغضب والانتقام يغلي ببطء، ماريا التي كانت تراقب تفاصيل وجهها بعين امرأة مجروحة، اقتربت منها بخطواتٍ هادئة وقالت بنبرة مكسورة لكنها واثقة: انتظري هنا وشاهدي ماذا سيحصل عن بُعد لتتأكدي، وبعدها أنتِ حرّة إن كنتِ سبقينَ من هذا الشاب المتزوج، أومأت هبة برأسها دون أن تنطق، كانت نظراتها تائهة بين الغضب والذهول.
خرجت ماريا بخفة متجهة إلى طاولة كمال، خطواتها كانت ثابتة رغم أنفاسها المرتجفة، اقتربت منه من الخلف، أغمضت عيناهُ بيدها وقبلتهُ على خدهِ الأيمن، لتوجه له العبارة المُعتادة التي كانت كالسهم في صدره: لن تكفَ عن خيانتي يا زوجي؟ والآن تتسكع مع فتاة صغيرة بعمر ابنتكَ!
ارتبك كمال للحظة، ثم أبعدها بطريقة عدوانية تشبه تلك القسوة التي اعتادت هبة أن تراها في والدها مع والدتها، المشهد أمامها أعادها طفلة صغيرة تقف في زاوية الغرفة، تراقب والدها وهو يصرخ بوجه أمها، نفس النظرة، نفس الانفعال، نفس الخذلان.
ارتجف جسدها، وخافت كثيراً، لكن رغم ذلك لم تتحرك، لم تنهض، لم تصرخ، بل ظلت ساكنة، تُخفي اضطرابها خلف صمتٍ ثقيل. شعرت أن دموعها تريد الانهمار، لكنها أجبرتها على البقاء في مكانها، كانت تعلم أن الانسحاب الآن ضعف، وأن عليها أن تكون أقوى من وجعها.
بعد دقائق طويلة خرجت هبة من الحمام وكأن شيئاً لم يكن، وجهها الهادئ يخفي خلفه إعصاراً من الكراهية نظرت حولها بثبات وجلست على الكرسي دون أن تنطق بحرف، ماريا كانت قد غادرت الطاولة بعد المشهد، وجلست في الزاوية المقابلة، تراقب بعيني امرأة مكسورة، تتمنى لو تستطيع أن تثأر لنفسها، لكنها عاجزة، مكبّلة بحقيقة التوأم الذي يربطها بكمال، غير قادرة على الفراق، ولا على الاستمرار.
كانت ماريا تنتظر من هبة ردة فعل قوية، تصرخ، تبكي، أو حتى تنهار، لكنها صُدمت من برودها، من تلك النظرات الجامدة التي تحمل في طياتها انتقاماً هادئاً قاتلاً، تصرف هبة البارد لم يكن ضعفاً، بل كان بداية الخطة كانت قد حسمت أمرها داخلياً، وقررت أن تُكمل لعبتها حتى النهاية، أن تلقّنه درساً لن ينساه، أن تجعله يتذوق طعم الخسارة كما ذاقته أمها يوماً.
هبة: أشعرُ بعدم الراحة بعدَ أن أتسخَ فستاني، هل نستطيع العودة إلى المنزل؟
كمال: بالطبع يا عزيزتي، لا بأس، دعينا نذهب ونكمل حديثنا في طريق العودة.
هبة: اتفقنا.
وقف كمال بخيلاءه المعتاد، وضع يده على كتف هبة واحتضنها أمام الجميع، أراد أن يُظهر سيطرته وغروره، لكنه في الحقيقة كان يشعل النار في قلب ماريا أكثر، نظرت ماريا نحوهما، عيناها تلمعان من الدموع المكبوتة، حاولت التماسك لكنها كادت تنهار كان المشهد قاسياً عليها، لكنه أكثر قسوة على هبة التي كانت تحترق من الداخل، بينما تحافظ على قناع البرود.
نظر كمال لماريا نظرة تحدٍ، وابتسم ابتسامة سامّة مليئة بالاستفزاز، وكأنه يقول لها: لقد ربحتِ حرباً صغيرة، لكن الحرب ما زالت لي.
وغادرا المطعم…
وفي الوقت المقابل، كانت ندى تسير في أرجاء البيت بخطواتٍ متوترة، تضع يدها على صدرها علّها تُسكِت الخفقان الذي يزداد في كل لحظة، دخلت غرفة ابنتها وهي تهمس باسمها بخوفٍ يقطّع القلب: هبة… هبة يا ابنتي، أين أنتِ؟
رفعت الغطاء عن السرير، فتفاجأت بفراغه، تفوح منه رائحة عطرٍ جديد لم تشمه من قبل اتسعت عيناها، وتجمّد جسدها للحظةٍ قبل أن تنهار جالسة على طرف السرير.
يا إلهي، إلى أين ذهبتِ دون علمي؟ كانت تحدث نفسها بصوتٍ مرتجف، والقلق يأكلها كما تأكل النار الهشيم، راحت تتصل بهاتف هبة مراراً وتكراراً، لكن لا مجيب حاولت تهدئة نفسها، لكن صوراً كثيرة بدأت تمرّ أمام عينيها: كمال، نظراته الغريبة، حديثه اللطيف المبالغ فيه، واهتمامه المريب بابنتها الصغيرة كل شيء بدا لها مقلقاً الآن.
وضعت يدها على فمها وهي تهمس: لا، لا أريد أن أصدق من المستحيل أن تكون معهُ لكنها في أعماقها كانت تعلم أن حدس الأم لا يخطئ.
في تلك اللحظات، كانت هبة تجلس بجانب كمال في السيارة، تنظر إلى الشارع بتوترٍ بينما يحاول هو التقاط نظراتها كل ثانية.
كمال: هل تقبلين الزواج بي يا هبة؟
توقف الزمن للحظة، وصوت كمال يُعيد إليها مشاهد أبيها حين كان يُجبر أمها على قراراتٍ لم ترغب بها ارتجفت أصابعها وهي تحاول أن تبدو متماسكة، لكن قلبها كان يخفق بقوةٍ تحت عباءة الخداع التي لبستها.
هبة: لنتريّث قليلاً يا كمال، فقبل موافقتي يجب أن نخبر والدتي.
كمال، وقد تغيّر وجهه فجأة: والدتكِ لن تقبل، فتصرفاتها تدل على كرهها الشديد لي.
هبة: لكنني ما زلت صغيرة وغير ناضجة لأخذ هذا القرار.
ضحك كمال ضحكةً قصيرة، لم تخلُ من الغرور، وقال بصوتٍ هادئٍ كمن يحاول أن يُغويها بالكلمات: لا، هذا الكلام غير منطقي، فأنتِ بنظري أعظم امرأة، وأنا سأفعلُ لكِ كل ما تريدين.
شعرت هبة بالاختناق، لم تكن تعلم إن كان خوفها منه أم من نفسها، من ذلك الصوت الذي يُهمس داخلها قائلاً: هذه فرصتك، انتقمي، لكنها حافظت على هدوئها، رفعت نظرها نحوه بعينين متصلبتين، وقالت بهدوءٍ بارد: سأفكر قليلاً قبل أن أعطيكَ الجواب.
خرجت من سيارتهُ، والمطر بدأ يتساقط خفيفاً على الأرصفة، انعكست الأضواء على وجهها المرهق، كانت تسير بخطواتٍ مترددة، وعقلها غارق في دوامةٍ من الأسئلة.
لم تكن تعرف إن كانت تسير نحو الخلاص أم نحو الهاوية.
وصلت إلى المنزل بعد منتصف الليل، فتحت الباب بخفة، لكن صوت المفتاح أيقظ ندى التي كانت لا تزال جالسةً على الأريكة تنتظر، ووجهها شاحب كمن لم يعرف طعم النوم منذ أيام.
نهضت بسرعة واقتربت منها، وفي صوتٍ مختلط بين القلق والغضب قالت:
ندى: أين كنتِ؟ مع من؟ لِمَ غادرتِ دون علمي؟
كانت كلماتها تتساقط كالرصاص، والدموع تحاول الفرار من عينيها لكنها تماسكت.
ندى: أنتِ فتاة صغيرة، والعالم الخارجي وحشي، لا ينتبه لملامحكِ البريئة، يأكلكِ لحماً ويرميكِ عظماً، أتريدين قتلي؟ أنا أخذتكِ وهربت بكِ كي أحافظ عليكِ، ما هذه الأفعال الغريبة يا هبة؟
وقفت هبة ساكنة لا تحرك ساكناً، نظراتها متجمدة، وصوتها يخرج خافتاً متعباً:
أنا لستُ صغيرة، لا تتحدثي معي بهذه النبرة أنا أعلم جيداً ما أفعلهُ.
كأنها لم تعد تلك الطفلة التي كانت تخاف من صراخ أبيها، بل فتاة ولِدت من رماد الغضب والخذلان.
ندى: ما الذي تقصيدنهُ؟ ماذا يجول في عقلكِ يا ابنتي؟ أنتِ فتاةٌ بعمر الخامسة عشر، الفتيات من عمركِ يتعلمن الموسيقا، يرسمْن أحلامهن لا خطط انتقام!
ثم اقتربت منها أكثر، أمسكت وجهها بكلتا يديها، وصوتها يرتجف: أرجوكِ يا ابنتي، أوقفي جميع الأفكار التي تجول في عقلكِ، فأنا لا أستطيع أن أتحمل أن يصيبكِ أيَّ مكروه.
لكن هبة، التي كانت تعيش صراعاً بين الحب والانتقام، لم ترد النظر في عيني والدتها.
بكل برودٍ قاتل، وبنبرةٍ فارغةٍ من المشاعر قالت: أنا مُتعبة، أريد أن أذهب لاستريح.
دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها، ثم ألقت نفسها على السرير، تحدق في السقف بعينين ساكنتين.
الأفكار تنهش عقلها كوحوشٍ جائعة، صورُ أبيها، خيانةُ الرجال، كمال وابتسامته الزائفة، كلّها كانت تدور حولها في دوامةٍ لا تنتهي،
في داخلها آلاف الأسئلة بلا جواب، لكنها كانت تعرف الجواب الوحيد، الجواب الذي يوجعها ويشعل الغضب في كل مرةٍ تتنفس فيها:
المسؤول الوحيد… هو والدها.
بعدَ عدة أيام من التفكير حسمت قرارها أحزمت حقائبها وحقائب والدتها، وأعطتها خبر بأنهم سينتقلون إلى سويسرا، آنهت جميع الإجراءات واتصلت بكمال، هبة: أريدُ أن التقي بك في منزلي، حضرتُ لكَ مفاجأة، والدتي غادرت المنزل ولن تعود قبل عدة ساعات، وسأخبركَ قراري الآخير.
كمال: أجل يا عزيزتي، سأتي بسرعة.
وفي هذا الحين حضرت هبة نفسها، ارتدت فستانها الأحمر الذي أظهر مفاتن جمالها وجهزت وثائق ملكية المنازل والشركات مع المحامي الذي تعرفت عليه قبل بضعة أيام والذي ساعدها دون تردد بسبب كرههِ الشديد لكمال، فالوثائق مجهزة وتحتاج بصمة كمال فقط.
وصلَ كمال إلى منزل هبة، وتفاجأَ بالشموع والورد الجوري المُزين أرجاء الصالة، استقبلتهُ عندَ باب المنزل وطبعت قُبلة على خدهِ وهمست بأذنهُ أنا أقبل أن أكون شريكتكَ وحبيبتكَ لكن أسمح لي برقصةٍ، بدأت نغمة الأغنية تنطلق ويد هبة حاوطت عُنق كمال ويد كمال التفت حول خصرها…
الدموع تُزرف على وجنتي ندى وهي تراقب ابنتها بآلم وحسرة تبكي وتضع يداها على فمها وتتمتم قائلة: اللعنة على والدكِ الذي أوصلكِ إلى هذهِ الحالة يا صغيرتي.
تؤدي هبة دورها التمثيلي بكل شجاعة تتمايل وتقترب من الطاولة للتناول كأساً من النبيد الأحمر التي كانت قد وضعت بهِ بعض الحبوب المنومة التي تجعل الإنسان يغرق بالنوم بعد دقائق قليلة من تناوله الحبوب.
أعطتهُ المشروب بيديها وبعد القليل من الوقت بدأَ كمال يفقد توازنهُ، استلقى على الأريكة، ولم تمرْ ثوانٍ حتى غرقَ بالنوم، وإذا بالأوراق التي اخرجتها هبة من تحت الطاولة واستخدمت بصمتهُ لأخذ كل أملاكه، كمال غارقٌ بالأحلام، وهبة كانت قد أتمت انتقامها واخذت كل ممتلكات كمال.
يتبع…
تم نسخ الرابط





