هذه الدنيا لم ترحم أهل البيت (ع)، فكيف تريد أن ترحمك…؟
تأمّل قليلًا في حكايات الذين مرّوا على هذه الأرض، أولئك الذين لم يحملوا في قلوبهم إلا النور، ولم يعرفوا من الحياة إلا الصبر، ومع ذلك لم تمنحهم الدنيا سوى الخذلان والابتلاء.
هذه الدنيا التي لم ترحم قلب الحسين (ع)، وهو يرى أحبّته يتساقطون أمام عينيه، ولم ترحم زينب (ع)، وهي تحمل وجع الفقد والسبي، ولم ترحم قلب عليّ (ع)، الذي عاش غريبًا بين قومٍ عرفوا الحقّ ولم ينصروه، فكيف تنتظر منها أن ترحم قلبك أنت؟
كيف تنتظر من دنيا لم تُبقِ لآل بيت النبوّة راحةً أن تمنحك أنت حياةً خاليةً من الألم؟
إنها الدنيا، يا صديقي، لا تُوزّع أفراحها بحسب طهارة القلوب، ولا تمنح الطمأنينة لمن يستحقّها، ولا تعفي الطيّبين من وجع الفقد، بل لعلّ أكثر القلوب نقاءً هي التي تعرف من الأوجاع ما لا تستطيع الكلمات وصفه.
فلا تظنّ أن حزنك استثناء، ولا أن انكسارك دليلٌ على أنك سلكت الطريق الخطأ، إنّ في سيرة أهل البيت (ع) ما يعلّمنا أن الألم لا ينتقص من قيمة الإنسان، وأن الابتلاء ليس بالضرورة علامة غضب، وأن الصبر ليس غيابًا للوجع، بل قدرةٌ على حمله دون أن تفقد إيمانك.
تعلّم من زينب (ع) كيف يمكن للإنسان أن يقف شامخًا، حتى حين تسقط من حوله كل أسباب الوقوف، وتعلّم من الحسين (ع) أن الكرامة لا تُقاس بما تمنحك الحياة، بل بما تحافظ عليه من نفسك حين تأخذ منك كل شيء.
ولا تنتظر من الدنيا أن تكون عادلةً في كل تفاصيلها، ولا أن تعيد إليك كل ما فقدت، ولا أن تعتذر عن كل ما فعلت، بعض الأوجاع لا تنتهي باعتذار، وبعض الغياب لا يعوّضه حضور، وبعض الخيبات لا يُصلحها الزمن، لكنه يعلّمنا كيف نعيش معها.
هذه الدنيا لم ترحم أهل البيت (ع)، فكيف تريد أن ترحمك؟
لكن تذكّر: إن كانت الدنيا دار ابتلاء، فليست هي دار الجزاء، وإن ضاقت بك الأرض، فربّ الأرض أوسع من كل ضيق، وإن خذلك الجميع، فباب الله لا يُغلق في وجه من قصده بقلبٍ منكسر.
فلا تجعل قسوة الدنيا تُقسي قلبك، ولا تجعل ما فقدته يُنسيك ما بقي لك، ولا تسمح للألم أن يسلبك أجمل ما فيك.
امضِ، ولو كنت مثقلًا، واصبر، ولو لم يفهم أحدٌ حجم ما تحمل، فليس كل من ابتُلي خاسرًا، وليس كل من بكى ضعيفًا، وليس كل من تألّم قد هُزم.
فبعض القلوب لا يليق بها أن تنتظر رحمة الدنيا، لأنها تعلّمت أن تستمدّ قوتها من الله، حتى حين لا يبقى لها من الدنيا شيء.





