هل النرجسي مريض؟ أم طبيعي؟

حين تلاحظ كيف يتحكم بكل موقف ويجعل الآخرين يشعرون بالذنب، لا يسعك إلا التساؤل: هل النرجسي مريض؟ أم أنّ هذه طبيعته؟

هل النرجسي مريض؟ أم شخص مغرور؟

نعم، النرجسي مريضٌ نفسياً، وهذا ليس مجرد مجرّد غرورٍ أو تعالٍ سطحي، النرجسي مصابٌ باضطرابٍ نفسيٍّ يُسمّى اضطرابَ الشخصية النرجسية، وهو اضطرابٌ معقدٌ يجعل صاحبه يعيش في وهمٍ دائمٍ بالعظمة، ويعتقد أنّه فوق الجميع، مستحقٌ لكل الاهتمام والتقدير دون أيّ مراعاةٍ لمشاعر الآخرين أو حقوقهم.

هذا المرض النفسي يدفعه إلى استغلال الناس حوله لتحقيق أهدافه الشخصية، والتحكم في علاقاته بشكلٍ يضمن له الهيمنة والقوة، وغالباً ما يكون عاطفياً باردًا، لا يشعر بالندم أو التعاطف.

النرجسي يعيش صراعاً داخلياً مستمراً بين شعوره العميق بالنقص وبين محاولاته المستمرة لرفع صورته أمام الآخرين، وهذا ما يجعله متقلب المزاج، سريع الغضب، ومتسرّعاً في الحكم على من حوله.

باختصار، النرجسي ليس مجرد شخصٍ يحب نفسه، بل هو إنسانٌ يعاني مرضاً نفسياً يجعل حياته وحياة من حوله صعبةً ومعقّدة.

ما هي الشخصية النرجسية؟

الشخصية النرجسية ترى نفسها الأفضل في كلّ شيء، وتعتبر نجاحها فريداً من نوعه حتى لو كان عادياً، النرجسي يتغذّى على المديح والإطراء، ولا يكتفي بكلمات عابرة، بل يحتاج دائماً إلى الثناء الصريح مثل: أنت عظيم، أنت عبقري، أنت الأجمل، أنت الأفضل.

أهم وأبرز صفات النرجسي

يمكن التعرّف على الشخصية النرجسية من خلال مجموعة صفات واضحة، وإذا اجتمع معظمها في شخصٍ واحد دلّ ذلك على أنّه نرجسي، من أبرز هذه الصفات:

الشعور المفرط بالاستحقاق

يعتقد أنه الأهم والأحق بكل شيء، ويستحق معاملة خاصة وامتيازات أكبر من الآخرين.

الاحتياج المستمر للمدح والإعجاب

يتغذى على الثناء المستمر، ويبحث دائماً عن التقدير والإشادة من الآخرين.

غياب التعاطف

يجد صعوبة في فهم أو الشعور بمشاعر الآخرين، وغالبًا ما يقلل من قيمة مشاعرهم، بل قد يستهزئ بمصائبهم أو أحزانهم لتحقيق شعور بالسيطرة والتفوق.

الاستغلال

يستخدم الآخرين لتحقيق أهدافه الشخصية دون اعتبار لحقوقهم أو حاجاتهم.

الغيرة والحسد

يشعر بالغيرة من نجاح الآخرين، ويحاول التقليل من إنجازاتهم أو فرض السيطرة عليهم.

الغطرسة والتكبر

يتصرف بطريقة متعجرفة، ويظهر تفوقه على الآخرين باستمرار.

الحساسية المفرطة للنقد

يمتلك ثقة هشة للغاية، وأي نقد بسيط يمكن أن يثير غضبه أو شعوره بالإهانة.

التحكم والسيطرة

يحب فرض رأيه والسيطرة على من حوله، سواء في العمل أو العلاقات الشخصية.

التلاعب النفسي

يستخدم الكذب، الشفقة المزيفة، أو الإيهام بالاهتمام لإدارة الآخرين حسب مصالحه.

الخيال المبالغ فيه عن النجاح والقدرات

يعيش في عالم من الخيال، فغالباُ ما ينشغل بأوهام حول النجاح المطلق، والقوة، والجمال، أو الحب المثالي.

حب السيطرة على كل شيء حسب مزاجه

يريد أن تسير الأمور دائماً وفق رؤيته ورغباته، ويغضب أو يتضايق إذا لم تُنفّذ الأمور بالطريقة التي يرضاها.

يرى نفسه محور الكون

يعتقد أن كل شيء من حوله يجب أن يدور وفقه، وأن الناس موجودون لتلبية رغباته ويعتبر نفسه الأهم دائماً.

تبرير الذات وإلقاء اللوم على الآخرين

يميل النرجسي دائماً إلى تبرير تصرفاته، ويعتقد أن أي خطأ أو مشكلة هي دائماً مسؤولية الآخرين، فهو يرى نفسه دائماً على صواب.

أنواع الشخصيات النرجسية

النرجسي ليس نوعاً واحداً، بل تتفرّع شخصيّته إلى أشكال مختلفة:

النرجسي الظاهر

واضح وصريح في نرجسيته، وينقسم إلى قسمين:

  • الساحر الكاريزمي: يجذب الآخرين بحضوره القوي، ويغمرهم بالاهتمام في البداية ثم ينقلب إلى التجاهل والانتقاد.
  • المتسلّط: لا يقبل النقاش، يأمر فقط وينتظر الطاعة المطلقة، ويستغلّ نقاط ضعف الآخرين للسيطرة عليهم.

النرجسي الخفي

يخفي نرجسيته خلف قناع الضعف والصعوبات، ويستدرّ التعاطف باستمرار، يعاقب الآخرين بالصمت العقابي إذا لم يمنحوه الاهتمام الذي يريده، ويجعلهم يشعرون بالذنب دائماً.

النرجسي في الأسرة

  • الأب النرجسي: يرى نفسه المصدر الوحيد للفضل، يقلّل من شأن زوجته وأبنائه، ويعاملهم كأنّهم ملكية خاصة.
  • الأم النرجسية: تسيطر على أبنائها حتى بعد زواجهم، وتستخدم العاطفة كسلاح للضغط عليهم، وقد تتحوّل غيرتها من ابنتها إلى صراعٍ مباشر معها.

النرجسي في العلاقات الزوجية

الزوج أو الزوجة النرجسية تمتصّ كلّ ما في العلاقة: الحبّ، الوقت، الجهد، المال، لا تعترف بالفضل للطرف الآخر، ولا تبدي أيّ تعاطف مع آلامه، وعند الانفصال، لا تميل إلى ترك الشريك يعيش بسلام، بل تحاول إبقاءه تحت المراقبة أو العودة لتدميره من جديد.

النرجسي في العمل

النرجسي في موقع الإدارة يرى نفسه أساس المؤسّسة، ويعتبر الموظفين أدوات لخدمته، ينسب النجاحات لنفسه، ويلقي بالفشل على الآخرين، يقسّم بيئة العمل إلى موالين له ومعارضين، ويعتبر النقد خيانةً، والثناء واجباً دائماً.

النرجسية والسوشيال ميديا

وسائل التواصل الاجتماعي غذّت النرجسية، إذ بات كثيرون يسعون إلى الظهور بأفضل صورة أمام الآخرين، يتفاخرون بالمظاهر، ويلاحقون الإعجابات والتعليقات، أصبح التنافس على الظهور والانتشار وقوداً لنرجسية متضخّمة، تُشعلها صور مُفلترة وعبارات مبالغ فيها.

النرجسية والتربية

يرى بعض علماء النفس أنّ النرجسية غريزة تولد مع الإنسان، لكنّ البيئة إمّا أن تخفّفها أو تضخّمها، التدليل الزائد يُنشئ طفلاً أنانياً يرى أنّ كلّ شيء ملكه، بينما القمع والقهر يُنتجان شخصاً ناقماً يحمل عقداً تحوّله إلى نرجسي انتقامي.

هل يمكن علاج النرجسي؟

النرجسي غالباً لا يرى نفسه مريضاً، بل يعتقد أنّ الآخرين هم أصحاب المشكلة، وحتى إذا لجأ إلى العلاج، يحاول أن يسيطر على المعالج نفسه، لذلك، فإنّ الحلّ الأمثل في التعامل معه هو الابتعاد عنه نهائياً، وعدم انتظار تغيّره أو تبرير سلوكه.

كيف تتعامل مع النرجسي؟

التعامل مع النرجسي ليس سهلاً أبداً، لأنّه يستنزف من حوله عاطفياً ونفسياً، لكن هناك استراتيجيات تساعدك على حماية نفسك:

  • ضع حدوداً واضحة: لا تسمح له بتجاوز مساحتك الشخصية، إذا حاول الضغط عليك، استخدم عبارات حازمة مثل: لن أقبل هذا الأسلوب أو هذا ليس من حقّك.
  • لا تدخل في جدالات طويلة: النرجسي يجيد تشويه الحقائق وإرباكك، الأفضل أن تكون إجاباتك قصيرة وحاسمة، من دون انفعال.
  • حافظ على هدوئك: هو يتغذّى على ردود فعلك الغاضبة، كلّما التزمت بالهدوء، فقد السيطرة عليك.
  • لا تحاول تغييره: النرجسي لا يعترف بمشكلته، لذلك لا تضيّع وقتك في إصلاحه، ركّز فقط على حماية نفسك.
  • اطلب الدعم: التحدّث مع صديق مقرّب أو مختص نفسي يمنحك توازناً أكبر، ويكشف لك أنّ ما تمرّ به ليس عيباً فيك بل انعكاساً لاضطرابه هو.
  • الابتعاد التدريجي: في العلاقات القريبة (زواج، عمل، صداقة)، قد يكون الخروج الفوري صعباً، لذلك يُنصح بالابتعاد خطوة خطوة، مع بناء استقلال مادي أو عاطفي يضمن لك التحرّر لاحقاً.
  • واقعيّاً: كثيرون يظلون عالقين مع شخصٍ نرجسي بسبب الحاجة المادية أو العاطفية، لكن الحلّ يبدأ دائماً بالاعتراف أنّك مع شخصٍ مريض، ثم بناء خطة هادئة للخروج من دائرته السامة، حتى لو استغرق الأمر وقتاً.

في النهاية النرجسي إنسان سامّ، يعيش على استغلال الآخرين وتحطيمهم، الخطر ليس في لقائه، بل في الاستمرار معه، أنت لست مضطراً للبقاء معه، سواء كان صديقاً، زميلاً في العمل، أو أي علاقة أخرى، فسلامك النفسي أهم من أي شيء أخر، إنه وحش نفسي سامّ، مفترس للعواطف، يستنزف كل طاقة من حوله، يحطم العلاقات ويترك خلفه خراباً عاطفياً ونفسياً، ولا يهمه أمرك أو شعورك مطلقاً، فلا مهرب لك منه ولا نجاة إلا بالابتعاد الكامل عن دوائره السامة مهما كلفك الأمر.

تم نسخ الرابط

هل كان المحتوى مفيداً؟

نعم
لا
شكراً لملاحظاتك.
زر الذهاب إلى الأعلى