خاطرة هل تراني بنصف وجه؟
هل تراني بنصف وجه؟ خرجت الكلمات من فمي بلا وعي، حين اختارني أحدهم ليرسمني، تُرى هل فعلاً يرى وجهي ناقصاً، أم أن النصف الآخر يخفي سراً؟
هل تراني بنصف وجه؟
ما حدث معي في هذا اليوم لم يكن مفاجئاً، لكنه كان بمثابة القنديل الذي أنار جانبي المظلم فجعلني أكتشفه كما لم أره من قبل.
كعادتي استيقظت متأخرة، أعددت القهوة على عجل، وتناولت رشفات منها بينما كنت أتهيأ للذهاب إلى إحدى محاضرات الدورة التدريبية التي أتلقاها لتعلم اللغة الإنجليزية، والتي يقدمها شخص غريب الأطوار، يستفزك للتعمق في شخصيته، ولكن تأكد أنك في النهاية لن تصل إلى مبتغاك.
فهو ليس محاضراً يرتدي الزي الرسمي ويردد جمل رتيبة يمل منها المستمعون، بل كان مُبدعاً، قادراً على إيصال المعلومات بطريقة تلامس السحر، ربما لكونه عاشقاً للرسم، كلما أمسك بالقلم لا تستطيع غض الطرف عما يتفنن في رسمه.. لا أدري.
لكنني أتذكر أنه كان في كل مرة يجلس على مقعده في زاوية قريبة لضوء الشمس، يتأمل وجوهنا جميعاً كما لو أنه يحفظ ملامحنا، ويحاول ترسيخها في ذهنه قبل أن تنتهي الدورة التدريبية فتتلاشى من ذاكرته… في الحقيقة لم أفهمه.
مرت الأيام وفي إحدى المحاضرات، قرر هذا الشخص أن نخرج لاستكمال المحاضرة في مكان آخر كنوع من الترفيه الممزوج بالتعلّم، ولمنحنا الفرصة في ممارسة اللغة التي نتعلمها بشكل واقعي.
وقع اختيارنا على مكان هادئ قريب من شاطيء البحر، لكن غريب الأطوار هذا؛ أبى إلا أن نذهب إلى مكان وصفه بأنه (رحلة إلى الماضي) يُدعى مقهى القهوة.
اسمه المميز كان سبباً في ألا نستغرق الوقت الطويل في التفكير، على الفور انتقلنا إلى هذا المكان والذي يمكنه أن يجعلك تعيش أجواءً من المؤكد أنك لم تستمتع بها سابقاً.
ففي خطوتك الأولى داخل القهوة، ستشعر بانتقالك عبر الزمن… إضاءة خافتة، مقتنيات قديمة، صور من إعلانات يمكن لآبائنا التعرف عليها، وأشياء عديدة من هذا القبيل، في الحقيقة، كان اختياره موفقاً، ليس منا من استطاع إنكار ذلك.
اتخذ كل منا مجلسه، وبدأ الجزء الأمتع من المحاضرة، لكن ما لفت انتباهي، أن المحاضر لا يتحدث، فقط يُمسك بقلمه ويرسم.. يرسم في جانب واحد فقط من الورقة ويتجاهل الآخر!
على الرغم من أنه لم يكن يحدق بي، لكنني كنت أشعر بأنه يرسمني، بل وبدأت مخيلتي تصف لي شكل الرسمة، إنها ملونة، رائعة ومبهجة مثلي تماماً… تغلب عليها السعادة…
لكن ماذا لو كنت مخطئة وهو يرسم شخصاً آخر، أو شيء آخر؟
كانت هذه هي المرة الأولى التي أكون فيها نصف صائبة، نعم، فقد كان يرسمني بالفعل، لكن عندما رفع الورقة تأهباً لتقديمها لي، وجدته قد رسمني بنصف وجه!
نصف وجه فقط، نصف الملامح، نصف كل شيء، أما النصف الآخر فهو فارغ، نصف خالِ من كل شيء، عندما تنظر إليه تشعر بانقباض قلبك كما لو أنك تنظر إلى فجوة سوداء رغم بياض الورقة.
تسلل التوتر إلى قلبي، وحاولت إخفاءه بسؤال أحمق: هل تراني بنصف وجه؟
لم يوميء، لم يبتسم، لم يرد، ولم يعطني أي تفسير، وضع الورقة على الطاولة وألقى التحية على طلابه دون النظر إليّ كما لو أنني اختفيت بالكامل وليس نصف وجهي فحسب!
عدت إلى المنزل في هذه الليلة وأنا أُفكر فيما حدث، أشعر أن أسئلة عدة مسجونة في رأسي تحاول الهرب دون جدوى، لماذا أنا؟ لماذا نصف وجه؟ ولماذا هذا النصف تحديداً؟
ما هذا الهراء الذي أفكر به؟
ولماذا أخذت هذه الرسمة ولم أترك لنسمات الهواء فرصة في أن تطيح بها بينما كانت على الطاولة؟
فتحت سحّاب حقيبتي، تناولت هذه الورقة وسحقتها بين أناملي قبل أن أُلقيها لتغيب عن ناظري في إحدى زوايا الغرفة.
ومنذ هذه اللحظة قررت ألا يكون تركيزي سوى في المحاضرات دون الالتفات لأشياء يرى عقلي أنه لا قيمة لها.
وأوشكت الدورة على الانتهاء، وفي المحاضرة الأخيرة، أخبرنا المحاضر أنه سيفتتح قريباً مقهى بطراز فريد من نوعه، ويدعونا جميعاً لزيارته.
لم أُعر حديثه اهتماماً، إلى أن تلقيت رسالة منه: “يا صاحبة النصف وجه الغاضبة، أدعوكِ لزيارة المقهى الذي قمت بافتتاحه وهو مقهى 1980s”
وأرسل موعد الدعوة ومكان المقهى، لا أخفي عنكم أن اسم المقهى المثير، استفز فضولي، فلم أفكر طويلاً قبل الذهاب، خاصة وأن مجموعة كبيرة من الطلاب مدعوة للزيارة في الوقت ذاته.
عندما وصلت إلى المقهى وجدته بطراز فريد من نوعه، فكل ركن يحمل تفاصيل مميزة عن جيل (الثمانينات) الذي يشير إليه اسم المقهى، وعلى ما يبدو أن هذا المحاضر ينتمي إلى ذلك الجيل.
لم يقتصر تميز المقهى على ذلك فحسب، بل إن جدرانه تحتوي على رسومات المحاضر التي تخطف الأنظار، وبينما كنت أتأمل إحداها، لاحظت وجود تشابه لم يستطع عقلي تفسيره بين الراسم والشخص المرسوم.
هل هو المحاضر عندما كان في ربيع عمره؟ لا أعرف، وبالرغم من أن الأمر لا يعنيني، لكنني لم أقدر على حبس السؤال الذي يدور برأسي حينما رأيت المحاضر، فألقيت عليه التحية ثم أتبعتها على الفور بعبارة: “مَن هذا؟ هل هذا أنت؟”.
تبدّلت ملامحه الضاحكة، أصبح عابس الوجه في غمضة عين، تأمل تفاصيل لوحته وهو يقترب منها ببطء شديد ويضع يده عليها كما لو أنه يود أن يعانق الغياب، ثم قال: “نعم، هذا أنا، هذه هي روحي”، ثم استدار محاولاً كتم عبرات عينه، واستكمل حديثه: “إنه ابني الذي فقدته منذ أعوام عدة، كان يشبهني تماماً كما لو أنه أنا”، ثم مضى حتى اختفى عن الأعين.
بقيت أتأمل اللوحة وأنا أفكر فيما يشعر به والده الآن، إنه يعيش بنصف روح، نصف سعادة، نصف شعور، نصف كل شيء، ذلك النصف الذي نراه دائماً، أما النصف الآخر فهو فقدان، ألم، ونار اشتياق التهمته بالكامل حتى أصبح خاوياً.
هُنا تذّكرت رسمته لي، لم يكن هذا الشخص يرى وجهي ناقصاً، ولكنه استشعر ألمي فكنت انعكاساً له، ومنذ هذه اللحظات وأنا أرى كل الوجوه بشكل مختلف.
أي نصف منها نراه، أي منها نستطيع مواجهة العالم به، وأيها لابد أن نخفيه، وهل هناك من يستحق أن يرى كلا النصفين أم لا؟ هل كلنا نعيش بنصف وجه والنصف الآخر نخشى حتى أن تكتشفه أنفسنا ونطمح أن ينهشه النسيان؟
لا أدري، ولكن الحقيقة الواحدة التي أعترف بها: أن الأشياء دائماً ليست كما تبدو… وكذلك الأشخاص.
تم نسخ الرابط





