إعلان - Advertisement

هل ماتت مهنة الصحافة؟ بقلم محمد سعيد الحداد

لم تعد المشكلة اليوم في قلة الأخبار، بل ربما أصبحت المشكلة في كثرتها، كل دقيقة هناك خبر جديد، وكل ساعة هناك عشرات المواقع التي تنشر، وكل بيان رسمي يمكن أن ينتقل خلال دقائق من صفحة الجهة المعنية إلى عشرات المواقع والصفحات.

لكن وسط كل هذه السرعة يظل السؤال الأهم حاضرًا: أين الصحافة؟

هل أصبح دور الصحفي أن يفتح المواقع الرسمية للجهات المختلفة،
وينسخ البيان،
ويضع له عنوانًا جديدًا،
ثم يضغط زر النشر؟

وهل أصبح دور المحرر أن يعيد ترتيب الكلمات دون أن يضيف معلومة أو سياقًا أو تفسيرًا؟

وهل أصبح ناقل الخبر مجرد حلقة إلكترونية بين مصدر رسمي وقارئ ينتظر أن يفهم ما يحدث؟

إذا كان الأمر كذلك، فالمشكلة ليست في كثرة الأخبار.

المشكلة في اختفاء الدور الحقيقي للصحافة خلف سيل من النسخ وإعادة النشر.

  • البيان الرسمي مهم.
  • والمصدر الرسمي مهم.
  • ونقل المعلومات الصادرة عن الجهات المختصة جزء أصيل من العمل الصحفي.

لكن البيان ليس بالضرورة خبرًا مكتملًا، لأن البيان يخبرك بما تريد الجهة أن تقوله.

أما الصحافة المهنية فعليها أن تبحث أيضًا عما يحتاج القارئ إلى معرفته.

  • ماذا حدث؟
  • ولماذا حدث؟
  • ومن المستفيد؟
  • ومن المتضرر؟
  • وما الذي تغير؟
  • وماذا يعني القرار للمواطن؟
  • وما التفاصيل التي قد لا تظهر في البيان؟

هنا يبدأ دور الصحفي الحقيقي

فالصحفي ليس آلة نسخ، والمحرر ليس زر إعادة نشر.

والسبق الصحفي ليس أن تكون أول من نقل الجملة نفسها التي نقلها الجميع.

السبق الحقيقي أن تقدم للقارئ معلومة صحيحة ومفهومة ومفيدة قبل أن تغرقه في عشرات النسخ المتشابهة.

أما أن تنشر عشرون منصة الخبر نفسه بالعنوان نفسه والمضمون نفسه مع تغيير بسيط في ترتيب الكلمات.

فهذا لا يصنع عشرين مادة صحفية، بل يصنع نسخة واحدة تتكرر عشرين مرة، وهنا تظهر قيمة المحرر.

المحرر الحقيقي لا يسأل فقط

  • كيف أنشر؟

بل يسأل قبل ذلك

  • ماذا أنشر؟ ولماذا؟ وكيف؟
  • يقرأ المادة.
  • يدقق المعلومات.
  • يراجع التفاصيل.
  • يفهم السياق.
  • يبحث عن الزاوية التي تهم القارئ.
  • ويعرف أن العنوان ليس مجرد باب للضغط عليه.

بل وعد للقارئ بأن ما وراءه يستحق القراءة.

أما أخطر ما يمكن أن يحدث في صناعة الأخبار فهو أن تتحول السرعة إلى بديل عن الدقة.

وأن يتحول السبق إلى مبرر للنشر قبل التحقق.

وأن يصبح عدد المشاهدات أهم من قيمة المعلومة.

فالصحافة ليست مسابقة لمعرفة من ضغط زر النشر أولًا.

والقارئ ليس مجرد رقم في عداد الزيارات.

وراء كل مشاهدة إنسان يبحث عن معلومة.
وراء كل خبر قرار قد يتخذه مواطن.
وراء كل عنوان صورة تتشكل في ذهن الناس عن شخص أو مؤسسة أو قضية.

ولهذا فإن الخطأ الصحفي ليس مجرد خطأ في كلمة.

قد يكون أثره أكبر بكثير من ذلك.

فالصحافة الحقيقية لا تكتفي بنقل ما حدث.

بل تساعد الناس على فهم ما حدث.

وهنا يأتي دور الوعي الإعلامي

فالقارئ اليوم أصبح أمام سيل هائل من المحتوى.

  • خبر رسمي.
  • ومنشور على مواقع التواصل.
  • وعنوان مثير.
  • وتعليق شخصي.
  • وفيديو مقتطع.
  • ومعلومة مجهولة المصدر.

وكلها قد تصل إليه في اللحظة نفسها.

لذلك لم تعد مهمة الصحافة أن تخبر الناس فقط.

بل أصبحت مسؤولة أيضًا عن مساعدتهم على التمييز بين الخبر والرأي.
وبين المعلومة والدعاية.
وبين الحقيقة والانطباع.

وهذه مسؤولية لا يمكن أن يؤديها ناسخ محتوى.

بل تحتاج إلى صحفي يعرف قيمة الكلمة.
ومحرر يعرف قيمة المعلومة.
ومؤسسة تعرف أن ثقة القارئ أهم من الحصول على ضغطة إضافية.

نحن لا نحتاج إلى مزيد من المواقع التي تقول الشيء نفسه.

  • نحن نحتاج إلى صحافة تضيف شيئًا.
  • إلى صحفي يسأل السؤال الذي لم يسأله الآخرون.
  • إلى محرر يرى ما وراء العنوان.
  • إلى كاتب يستطيع أن يحول المعلومة الجافة إلى فهم حقيقي.
  • وإلى مؤسسات تعرف أن بناء الثقة أصعب بكثير من صناعة التفاعل المؤقت.

فالصحافة التي تنقل فقط قد تصل إلى القارئ.

لكن الصحافة التي تفهم وتفسر وتتحقق وتضع الأحداث في سياقها.

هي التي تستطيع أن تبقى في ذاكرته.

فالخبر يمكن نسخه في ثوانٍ.

أما الوعي فلا يُنسخ.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس هل ماتت مهنة الصحافة؟

بل هل ما زلنا نمارس الصحافة فعلًا أم أننا اكتفينا بإعادة نشر الأخبار؟

هل أعجبك محتوانا؟ أضف برو عرب إلى مصادرك المفضلة في جوجل لتصلك منشوراتنا مباشرة في نتائج البحث.

أضفنا كمصدر مفضل على Google

هل كان المحتوى مفيداً؟

نعم
لا
شكراً لملاحظاتك.

إعلان - Advertisement

محمد سعيد الحداد

محمد سعيد الحداد كاتب رأي وتحليل اجتماعي وإعلامي يهتم بالقضايا المجتمعية والظواهر الإنسانية والأداء الإعلامي والإداري ويعمل على تقديم محتوى هادف يجمع بين الرؤية النقدية والطرح المهني. يؤمن بأن الكتابة ليست مجرد نقل للمعلومة بل مسؤولية تجاه القارئ ودور في صناعة الوعي.