هل نقضي أعمارنا في العمل؟ نظرة على خط الحياة
خمسون سنة من عمرك في العمل، وما تبقى بين طفولة لا تذكرها وشيخوخة تنتظرها، في هذا المقال نتحدث عن من يقضي عمره يعمل ولا يعيش حياته.
احسبها معي: يبدأ أغلب الناس العمل بين الثامنة عشرة والثانية والعشرين، بعضهم بعد الجامعة، وكثيرون قبلها بسنوات في ورشة أو محل أو مهنة شاقة، ثم يستمرون حتى الستين أو بعدها، فتكون الحصيلة أربعين إلى خمسين سنة في العمل، أي أكثر من نصف العمر كله.
وإذا أضفت ساعات النوم، تكتشف أن ما تبقى لك من يومك الحقيقي ساعات قليلة، وهنا يأتي السؤال الذي يخيف الكثيرين: هل نقضي أعمارنا في العمل فعلاً؟
متى نقضي أعمارنا في العمل دون أن نعيش؟
لن ننكر أن كثيراً من الناس يعيشون بالضبط كما يصور هذا السؤال.
يستيقظ أحدهم قبل الفجر، ويعود بعد الغروب منهكاً، فيأكل وينام ليكرر اليوم نفسه، ويمضي أسبوعه كله ينتظر الإجازة، ثم يقضي الإجازة نائماً من شدة التعب، وتمر السنة فلا يتذكر منها شيئاً، ثم تمر خمس سنوات فيسأل نفسه: أين ذهبت؟
ومن أخطر ما في هذا النمط أنه يعيش دائماً في المستقبل: حين أنتهي من هذا المشروع سأرتاح، وحين أشتري البيت سأسافر، وحين يكبر الأولاد سأعيش لنفسي، ثم يصل إلى الستين فيكتشف أن الراحة التي كان ينتظرها لم تأت أبداً، لأنه كان يؤجلها كل مرة.
وهناك من يعمل في مهنة يكرهها، يعد فيها الساعات، ويشعر أنه يبيع أياماً من عمره مقابل راتب ينتهي في أسبوع، وهذا النوع تحديداً هو من يقضي عمره في العمل بأسوأ معانيها.
هل العمل فعلاً نقيض الحياة؟
هنا يقع الخطأ الأكبر في هذه النظرة، فهي تفترض أن سنوات العمل فراغ أسود بين طفولة انتهت وشيخوخة قادمة.
والحقيقة أن هذه السنوات نفسها هي التي تتزوج فيها، وترى أبناءك يولدون ويكبرون، وتبني بيتك، وتكوّن صداقات، وتسافر، وتتعلم، وتحقق ما تفخر به، فالعمل لا يحدث في عالم موازٍ، بل داخل حياتك، وبجانبه تحدث كل الأشياء الجميلة التي لن تعيشها لو كنت بلا دخل ولا هدف.
كما أن هذه النظرة تحصر المتعة في أول العمر، وتصور سنوات الطفولة والمراهقة وكأنها فردوس مفقود، بينما هي ليست كلها متعة، ففيها المدرسة والامتحانات وقيود الأهل، وفيها مراهقة مليئة بالحيرة والضغط، والفرق أننا ننسى ذلك كله ونتذكر الجميل فقط.
بل إن كثيراً مما نسميه متعة الطفولة نراه جميلاً لأننا نتذكره لا لأننا عشناه بوعي، فهل تعتقد أن سنة في المدرسة لم تختر فيها شيئاً أمتع من سنة سافرت فيها بمالك، أو من يوم حملت فيه ابنك الأول؟
ليس كل عمل يسرق العمر
الفرق الحقيقي ليس بين من يعمل ومن لا يعمل، بل بين نوعين من العمل:
عمل يعطيك، تجد فيه معنى، وتتعلم منه، وتشعر أنك تبني شيئاً، وتخرج منه متعباً لكن راضياً، وقد تعمل فيه ساعات طويلة دون أن تشعر أنك خسرت يومك.
وعمل يأخذ منك فقط، لا ترى فيه معنى، ولا يتركك تتطور، ويستنزف طاقتك ووقتك وعلاقاتك، وتخرج منه فارغاً لا متعباً فحسب، ومن يقول إننا نقضي أعمارنا في العمل، غالباً يصف النوع الثاني ثم يعممه على البشر جميعاً، وهنا مكمن الخلل.
كيف تعيش حياتك وأنت تعمل؟
السؤال الصحيح ليس: كيف أهرب من العمل؟ بل: كيف لا يبتلع العمل حياتي كلها؟
- ضع حدوداً لوقتك: حين ينتهي الدوام، أغلق ما يخص العمل ولا تحمله إلى بيتك، فمن لا يضع حداً لعمله يجد العمل قد ابتلع كل شيء، وإن كنت تعمل من المنزل فالحدود هنا أهم وأصعب، لأن مكان العمل هو مكان الراحة نفسه، فحدد ساعات واضحة للعمل وأخرى لنفسك وأهلك، واجعل لك ركناً للعمل لا تدخله بعد انتهاء وقتك، وأغلق الإشعارات بعده، وإلا وجدت نفسك تعمل من الصباح حتى الليل بلا بداية ولا نهاية.
- لا تؤجل الحياة: لا تنتظر التقاعد لتعيش، ولا سنة قادمة لتسافر، بل اجعل في كل أسبوع شيئاً تنتظره، فالحياة تحدث في هذه التفاصيل الصغيرة لا في محطة بعيدة.
- اعمل فيما تحب إن استطعت: وإن لم يكن ممكناً الآن، فخطط له تدريجياً، فخمسون سنة في عمل تكرهه ثمن باهظ جداً.
- ابحث عن معنى فيما تفعل: كثير من الأعمال العادية تصبح محتملة حين ترى أثرها: أنت تعيل أسرتك، أو تعلم أحداً، أو تصنع شيئاً ينفع الناس.
- احم علاقاتك: المال يعوض، أما السنوات التي لم تجلس فيها مع والديك وأبنائك فلا تعوض، ولن يقول لك أحد في آخر عمرك: ليتك عملت أكثر.
- اعتن بصحتك الآن: من يبيع صحته ليجمع مالاً، غالباً ينفق ماله ليستعيد صحته، ولا يستعيدها كاملة.
- راجع نفسك كل فترة: اسأل نفسك مرة كل ستة أشهر: هل أنا راضٍ عن الطريقة التي أقضي بها أيامي؟ فإن كان الجواب لا، فغير شيئاً صغيراً، فالمراجعة المبكرة أرحم من ندم متأخر.
- اعمل ولكن لا تنس أن تعيش: فالعمل وسيلة لحياة كريمة لا بديل عنها، ومن نسي ذلك وجد نفسه يوماً وقد جمع كل شيء إلا السنوات التي مرت وهو غائب عنها.
أن نقضي أعمارنا في العمل ليس قدراً مكتوباً، بل نتيجة لحياة تعاش دون وعي، فمن يعمل ليعيش يستطيع أن يجعل هذه السنوات مليئة، ومن يعيش ليعمل يخسرها كلها مهما جمع.
والمقياس بسيط: إن كنت في آخر كل يوم لا تتذكر منه إلا العمل، فأنت لا تعيش بل تمر، أما إن كان فيه لحظة ضحكت فيها، أو تعلمت شيئاً، أو أسعدت أحداً تحبه، فقد عشت يومك مهما طال دوامك.





