هل هذه هي الدولة السورية الجديدة الجلاد مكرم ودم الشهيد منسي
بعد أربعة عشر عاماً من الدم والقهر، يسأل الشعب السوري اليوم: هل هذه هي الدولة السورية الجديدة؟ حيث يُعاد تدوير المجرمين على أنهم دعاة سلام؟
هل هذه هي الدولة السورية الجديدة
في ظلال ثورةٍ استمرت لأكثر من أربعة عشر عاماً، قدم الشعب السوري تضحيات جساماً لا تُحصى، حيث راح نحو مليون شهيد على مذابح الحرية والكرامة، واختفى مئات الآلاف من المعتقلين خلف قضبان سجون النظام، لا يُعرف مصيرهم حتى اليوم، لقد خاض السوريون حرباً ضروساً ضد الظلم والاستبداد، طالبوا فيها بحقوقهم المشروعة في حياة كريمة وسلام حقيقي.
وكان الأمل معلقاً على بناء دولة جديدة، عادلة، تحترم دماء شهدائها وتحقق لهم العدالة، لكن السؤال الكبير يبقى: هل ما نراه اليوم يُمثل حقاً هذه الدولة الجديدة التي انتظرناها؟ أم أن الظلام القديم يعيد إنتاج نفسه بأوجه مختلفة، بينما يظل الشعب السوري أسير الألم والمعاناة؟
فادي صقر وسقراط الرحيبة – من الجلاد إلى “المنقذ”؟!
خرجنا بثورتنا المباركة، قدمنا مليون شهيد ودماء لا تُمحى، من أجل أن نحرر بلدنا من جحيم الظلم والقتل، واليوم؟ اليوم نرى هؤلاء المجرمين الذين ارتكبوا أبشع المجازر لا يقتصر أمرهم على الخروج من السجون، بل صاروا يتنقلون بين الناس وكأنهم أبطال!
فادي صقر! الذي يكفي ذكر اسمه أن يثير الرعب والغضب في النفوس والذي يُلقب بـ “سفاح سوريا”، ووهو من أحد أبرز قادة “مليشيات الدفاع الوطني” في جيش النظام البائد، قاتل بدم بارد، مهندس مجزرة حي التضامن، ظهر مؤخراً إلى جانب محافظ دمشق ماهر مروان، وكأنه هو البطل الحقيقي! والدولة؟ تدعي بكل وقاحة أن فادي صقر قد نال الأمان من القيادة السورية، وأنه قام بدور إيجابي، وأن القيادة على علم بكل ما يقوم به!
أين؟ أين ذلك الدور الإيجابي؟ لماذا لا تُظهر لنا الدولة ذلك؟ لماذا تُرك طليقاُ؟ كيف تسمحون لجلادٍ قتل شعبه وعذبه أن يصبح وسيط سلام؟!
حين يصبح الجلاد وسيط سلام، تُقتل الضحية مرتين، والسلم الأهلي الذي يشارك فيه فادي صقر وسقراط الرحية ليس إلا سلماً مشوّهاً، مكانهم الطبيعي الأعدام في ساحات سوريا والسجون لا بين الناس!
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل وبكل وقاحة، وبأوامر مباشرة من فادي صقر نفسه، تم الإفراج عن عددٍ من ضباط وجنود النظام السابق من سجن حارم، ليعودوا إلى أهلهم في أول أيام عيد الأضحى وكأن شيئاً لم يكن! واليوم؟ اليوم يتم الإفراج عن مئاتٍ آخرين من ضباط وعناصر جيش بشار المخلوع، تحت مسمّى “السلم الأهلي”، وكأن الدماء التي سالت، والبيوت التي هُدمت، والأرواح التي سُحقت، لا قيمة لها!
“ماذا تريدين يا دولة سوريا الجديدة؟ أترغبين في جرحنا وإهانة دماء شهدائنا؟ إنّ الشعب لم يعد صبوراً، فإما أن تُردّ الحقوق، أو سنخرج بثورة ثانية، أقسى وأشد!”.
مشهد سابق لفادي صقر وهو يطلب “إحضار بنت” سورية للضابط الروسي:
فيديو قديم يظهر إشراف فادي صقر على قصف وتدمير الحجر الأسود فوق رؤوس المدنيين في عهد النظام البائد:
تقرير شامل عن “من هو فادي صقر” مهندس مذبحة حي التضامن، يوضح جرائمه وأدواره القاتلة:
لكن ما خفي أعظم… هناك فظائع لا يمكننا عرضها هنا احتراماً لمشاعر الضحايا وذويهم، لكنها متوفرة وموثقة، ويمكن لأي صاحب ضمير أن يبحث في “تويتر” و”تلغرام” عن فادي صقر ومجزرة حي التضامن، ليُشاهد بعينيه حجم الإجرام والانحطاط الأخلاقي الذي يُراد اليوم تسويقه على أنه عملٌ وطني وسلامٌ أهلي.
أما سقراط الرحيبة، ذلك الاسم الذي يُطلَق عليه في أوساط الشبيحة بـ”رب جوبر”، إذ لا تزال صور ممارساته الدموية تُلاحقه في ذاكرة السوريين كوشمٍ قاتم لا يُمحى، فها هو اليوم يتحول فجأة إلى “ناشط إنساني” يقود فريقاً تطوعياً في الساحل السوري، يوزع المساعدات ويتباهى بهذا اللقب الزائف كمن يحاول غسل يديه التي لم تزل ملطخة بدماء الأبرياء، كيف يجرؤ هذا الجلاد أن يختبئ خلف قناع الإنسانية بينما كانت أفعاله الدموية تهدد وجود السوريين وترعب النساء والأطفال؟ أين العدالة؟ وأين الضمير الذي يُفترض أن يطالب بمحاكمته لا بتكريمه؟!
بوستات لسقراط الرحية عن الإسلام في حي جوبر، تظهر كم هو طائفي:


فيديو يُظهر سقراط الرحية في جبهات حي جوبر بدمشق أثناء العمليات العسكرية:
الفيديو على منصة فيس بوك للمشاهدة من هنا.
هل هذا هو العدل الذي وعدتم به؟ كيف يمكن لمجرم حرب موثق بالصوت والصورة أن يصبح رمزاً للإنسانية والعمل التطوعي؟ بأي منطق تُفرجون عن ضباط وعناصر ارتكبوا جرائم قتل وتعذيب، بحجة أن “لا شيء عليهم”؟ هل تعتقدون أن الدماء التي سالت ستُنسى هكذا بسهولة؟ أم أنكم تعيدون ترتيب أوراق نظام ظلّم، بهدف إبقاء ظله ممدوداً؟ كيف ترضون أن تكون سوريا التي ناضلنا لأجلها مرتعاً للشبيحة الجدد، بينما تُكمّم أفواه الشرفاء؟ هل ما يجري هو “مصالحات وطنية” أم إعادة إنتاج للنظام نفسه بوجوه جديدة؟
المشهد الذي نعيشه لا يُقهَر فحسب، بل يُدمِّر كل بارقة أمل في مستقبلٍ الشعب السوري، أولئك الذين فقدوا أحبتهم وبيوتهم، والنساء اللواتي عذبن وأغتصبن في زنازين الأسد، يرفعون صوتهم عالياً: “ناضلنا وضحينا بالدماء، ولن نرضى أبداً بالعودة إلى زمن الشبيحة وظلمة الخوف!”.
ليس فقط فادي صقر… بل هناك العديد من الروس والشبيحة الكبار الذين قتلوا الشعب السوري، لا زالوا أحراراً طلقاء بين الناس، يتنقلون بكل حرية، وإذا كنتم تريدون أن تبقوا هؤلاء بيننا، فعليكم أولاً أن تُعيدوا لنا شهداءنا وكرامتنا بعد 14 سنة من القهر والقصف والظلم والغربة.
إن لم يكن هناك حساب، فلن يكون هناك سلام، السلام الحقيقي لا يأتي بالتنازل عن العدالة، ولا بالتغاضي عن الدماء التي سالت، ولا بإطلاق سراح من حملوا السلاح في وجه وطنهم، إذا كانت الدولة تريد حقاً أن تكون “جديدة”، فلتبدأ بالمحاسبة الحقيقية، لا بالتمثيليات والمجاملات، وإن استمرت الأمور على هذا الحال، فلا نستغرب أن تُشعل غضباً شعبياً لا يمكن كبحه، ثورة جديدة تُغيّر مسار التاريخ السوري.
هذه ليست فقط قصة أشخاص، بل هي محاكمة أخلاقية وإنسانية لوطن بأكمله، كل من صافح مجرماً أو فرّج عنه شريك في الجريمة، وكل من صمت أمام هذه المهزلة يساهم في سقوط ما تبقى من كرامة، ويا دولة سوريا الجديدة، لا تكني هذا الوطن دماً وحقداً، ولا تسمحي له أن يمرّّر الجلاد على أنه بطل، عودي إلى شعبك، وإلا فلتعلمي أن الغضب لن يهدأ، وأن الثورة الثانية تلوح في الأفق.
في النهاية نحن لا نكتب هذه الكلمات لأسباب تافهة أو معيشية، لأننا شعب صبور يتحمل كل الظروف ويقف مع دولته، ولكن ما يحدث اليوم يفوق قدرة الصبر والسكوت، دماء أبنائنا وأهلنا ليست لعبة تُنسى، بل هي عهد علينا، فلا يمكن السكوت عن الظلم والفساد وإعادة تدوير المجرمين على حساب كرامة وطننا وشهدائنا.
تم نسخ الرابط





