إعلان - Advertisement

همسات أمي من بين النور السرمدي

سنوات كثيرة مرت على فراقها، سنوات وأنا أناديها كل ليلة، أملاً في أن تُخطئ مرة واحدة فتُجيبني، كم أتمنى سماع همسات أمي من بين النور السرمدي.

همسات أمي من بين النور السرمدي

رحلت وأنا في السابعة عشرة من عمري، كنت ممسكة بيدها، أنظر إلى ملامحها نظرة المودّع الذي يعلم أن هذا اللقاء هو الأخير، قلب يصرخ، وعقل يرفض الرحيل، أصابني العجز وهي تقول لي: “إننا سنلتقي مرة أخرى، ولكن ليس في هذه الدنيا”.

احتضنت جفونها مقلتيها، ومنذ ذلك الحين وأنا أتمنى أن يكون ذلك مجرد كابوس سوف ينتهي، فتفتح أمي عينيها مرة أخرى وتأتي إلى غرفتي لتناديني بصوتها العذب، تخبرني أن الفطور جاهز والحليب الساخن يوشك أن يبرد.

آه يا أمي، كم اشتقت إليكِ، ما زلت أغلق يديّ على بعضهما فأشعر بيدك بينهما، تنتاب قلبي غصة عندما أجدهما يحتضنان السراب، يؤلمني الحنين يا حبيبتي وأنا أشعر بالنسمات العليلة تداعب شعري لكنكِ لستِ جواري كالمعتاد نتحدث ونتسامر إلى أن تُشرق الشمس.

غبتِ يا أمي فغابت شمس قلبي، لازلت أنتظر الشروق كل ليلة، لكنه يأبى المجيء، غادرتِ فغادر فؤادي ورحلت روحي، فأصبحت كبقايا جسد مثقل بعدما تلاشى عقلي.

كعادتي كل ليلة أناديكِ، أنظر من الشرفة كما لو أنك ستمرين الآن مرتدية فستانك الناعم بلونه الأبيض، ولكن يخلو الطريق من أي نور يا أمي، أنتظر وأنتظر وما أرى سوى العتمة، تعب قلب ابنتكِ يا حبيبتي وطال الانتظار، فوضعت رأسي يائسة ونظرت إلى السماء ودموعي تسقط أرضاً.

فإذا بأنفاس دافئة تقترب مني، صوت حانٍ يهمس في أذني: “حبيبتي، أنا لم أغادرك، لم أُخلف وعدي معك، ألم نتعاهد أننا لن نترك بعضنا أبداً، أنا بجوارك دائماً، أنا أنفاس اشتياقك، أنا دعائك في صلاتك، أنا الدموع التي تنهمر من عينيكِ كل ليلة، أنا الأنين الذي سكن ضلوعك، أنا لم أرحل منكِ يا حبيبة عيني”.

“اختارني ربك لأكون في مكان آخر، لا وجع فيه، لا ألم، ولا فراق، أما عن حبي لكِ فهو باق في كل نقطة دم تسري في عروقك، إنه دمي، دم أمك التي أحبتك من قبل أن تراكِ، بكيتُ فرحاً عندما علمت بأن الله رزقني بكِ، وتمنيت ألا يمس قلبك وجعاً أبداً، والآن تبكين حزناً وتظنين أننا افترقنا؟”.

“أعلم يا أمي أنك لم ترحلي، لكن الطريق بدون يديكِ مخيف، أين كتفك الذي أضع عليه رأسي فأشعر بتلاشي همي؟ أين قبلاتك وأحضانك ودعواتك التي لا يزال صداها يرن في قلبي قبل آذاني؟ تسألني عنك جدران منزلنا، يسألني عنكِ باب غرفتك، يسألني الحنين، ولا أستطيع الجواب”.

“حبيبتي، أتعلمين أين تجدينني؟ فيكِ، في نفسك، في ضحكاتك مرتفعة الصوت مثلي، في وضع ساق على أخرى، في عشقك للشعر القصير، في نومك قبل صلاة العصر أمام التلفاز على الأريكة، أنا داخلك ولن أخرج منك ما حييتِ”.

“هل يصلك دعائي، هل تشعرين بتآكل روحي كلما أحتاجك ولا أدري أين أذهب؟”.

تبسمت عيناها الحانيتان: “أنا أمك، لم أغادرك ولن تغادرينني، دعائك يصلني وأرتقي به ويُكتب في صحيفتي، وكل عمل صالح تقومين به من أجلي يجعلني في مقام رفيع، فإن كنتِ حقاً تحبينني، أكثري من الدعاء لي يا ابنتي الصالحة”.

“ابنتك الصالحة متعبة، ضعيفة، تائهة من دونك”، بصوت حازم أجابتني: “لستِ ضعيفة، ابنتي ليست ضعيفة، بل قوية، تستطيع مواجهة العالم بأسره بضحكة منها، منذ أن كنتِ ساكنة رحمي وأنا أزرع فيكِ من قوتي كي لا تستسلمي يوماً”.

“لم أستسلم ولكن ذهابك أحنى ظهري يا أمي، خارت قواي” أجابتني وهي لا تزال محتفظة بنبرتها الحادة: “ذهابي جناحيكِ الآن، جناحان يرفعانك لأعلى، نحو طريق الخير والرشاد، حينما تشتاقين إليّ لا تبكي، بل اذكريني في دعائك، وكوني راضية، باسمة، معطاءة، لينة، كما كنتِ أعاملك دائماً وهكذا سوف أعيش داخلك إلى أن نلتقي مجدداً”.

“حدثيني يا أمي عن الحياة التي رحلتِ إليها”، أجابتني: “هنا يا حبيبتي كل شيء بخير، قلبي بخير، عقلي بخير وروحي تغمرها رحمة من الله، يحتضنني دعائك، فأشعر كما لو أنك تحتضنيني كما كنت تفعلين دوماً”.

“سأدعو لكِ في كل صلاة ما حييت”.
“وأنا سأزورك في منامك، وسأظل ساكنة وجدانك، وإن شعرتِ يوماً بأنك تشتاقين إلى أحضاني، أغلقي عينيكِ وأخبري قلبك أنني بجوارك حتى وإن كنتِ لا تبصرينني، ولا تفتحي عينيكِ إلا وأنتِ على يقين بأن لقاءنا آت لا محالة، لقاء لن تكون نهايته فراق”.

بدأ الصوت الخافت في التلاشي، فأدركت أن أمي قد ذهبت، لم أحزن هذه المرة، فأمي لم ترحل عن روحي وطالما أنا أتنفس، فإن أمي بخير، وقبل أن أفتح عيني أخبرت قلبي أن اللقاء آت، فلا داعي لحزنه، وذهبت إلى سريري كي أنتظر حبيبتي، فقد وعدتني بالزيارة في المنام وأنا أعلم أنها لا تُخلف الوعد.

تم نسخ الرابط

هل أعجبك محتوانا؟ أضف برو عرب إلى مصادرك المفضلة في جوجل لتصلك منشوراتنا مباشرة في نتائج البحث.

أضفنا كمصدر مفضل على Google

هل كان المحتوى مفيداً؟

نعم
لا
شكراً لملاحظاتك.

إعلان - Advertisement

مروة جمال أحمد

بالرغم من أنني خريجة قسم الترجمة الإنجليزية إلا أن ذلك لم يحُل بيني وبين عشق اللغة العربية بكافة معانيها، ولذلك فأنا مروة جمال كاتبة المحتوى بمنصة برو عرب.