وهْمُ النجاح المستمر – سِرابٌ مُدمِّر
نتنفس النجاح، نأكله، وننام ونستيقظ على إيقاعه، ولكن، هل حقاً هذا ما يجب أن يكون؟ إنها حقيقةٌ قاسيةٌ أن وهْمُ النجاح المستمر قد بات يُهدد سلامنا الداخلي.
وهْمُ النجاح المستمر لعنةُ الكمال الزائف
هل فكرتَ يوماً في ذاك البريقِ الخادعِ الذي يُسمّى “النجاح المستمر”؟ إنهُ لوهلةٍ يبدو كهدفٍ سامٍ، كنهايةٍ سعيدةٍ لا تنتهي أبداً، ولكن، هل هو كذلك حقاً؟ أم أنهُ سرابٌ خبيثٌ يُطاردنا، مُستنزفاً أرواحنا، مُتلفاً بهدوءٍ كلَّ ما هو جميلٌ في رحلتنا؟
إنها فكرةٌ مُرهقةٌ، أن تكونَ في سباقٍ دائمٍ مع ذاتك، مُتجاوزاً كلَّ إنجازٍ، راكضاً خلفَ وهمٍ لا يتوقف، تُخيل معي ذاكَ العدّاءَ الذي لا ينالُ قسطاً من الراحةِ، لا يرتوي من ماءٍ، لا يتوقفُ عن الجريِ، أليسَ مصيرهُ الإرهاقَ ثمَّ السقوطَ؟ هكذا نحنُ حينما نُعلِّقُ سعادتنا على وترِ النجاحِ الذي لا يعرفُ توقفاً.
كم من مرةٍ شعرتَ أنكَ على وشكِ بلوغِ غايتكَ، لتكتشفَ أنَّ هناكَ قمةً أخرى تنتظركَ، ثمَّ أخرى، وهكذا دواليكَ؟ إنَّ هذا السعيَ الدائمَ يُفقِدُنا بهجةَ اللحظةِ، يُسلّطُ ضغطاً لا يُحتملُ على أكتافنا، نُصبحُ عبيداً لنتائجَ لا تنتهي، بدلاً من أن نكونَ أحراراً في رحلتنا.
أليست الحياةُ تتخللها لحظاتُ هدوءٍ وانكسارٍ؟ أليسَ الفشلُ جزءاً لا يتجزأُ من نسيجِ الوجودِ البشريِّ؟ إنَّ السعيَ نحو النجاحِ المُطلقِ يرفضُ الاعترافَ بهذهِ الحقائقِ الجوهريةِ، يُريدنا أن نُصدِّقَ أنَّ هناكَ طريقاً واحداً فقط، طريقاً مُعبّداً بالانتصاراتِ الدائمةِ، وهذا محضُ خيالٍ، أو قل محضُ جنونٍ.
لقد رأيتُ الكثيرينَ يقعونَ في شباكِ هذا الوهمِ، ينالونَ مرادهم، ثمَّ لا يلبثونَ أن يشعروا بالفراغِ، لأنَّ عينهم كانت دائماً على ما هو أبعدَ، على ما هو أكثرَ، لم يُدركوا أنَّ السعادةَ ليست في الوصولِ، بل في رحابةِ الطريقِ وجمالِ الخطواتِ، وفي هدوءِ الروحِ التي تحتضنُ الإنجازاتِ الصغيرةَ، وتتقبّلُ الإخفاقاتِ كدروسٍ ثمينةٍ.
إنَّ هذا الوهمَ يُولّدُ فينا شعوراً دائماً بالنقصِ، بأننا لم نُحققْ ما يكفي بعدُ، نُقارنُ أنفسنا بالآخرينَ، بتلكَ الصورِ المُنمّقةِ التي تُعرضُ علينا، صوراً لنجاحاتٍ زائفةٍ لا تعرفُ جانباً مظلماً، نُصبحُ مُستهدفينَ لجلدِ الذاتِ، مُسلطينَ عليها سهامَ اللومِ إذا ما تعثّرنا قليلاً، أليسَ هذا مدعاةً للقلقِ والاكتئابِ؟
كم من موهبةٍ قُتلتْ في مهدها بسببِ الخوفِ من عدمِ تحقيقِ النجاحِ المُطلقِ؟ كم من أحلامٍ وئدتْ لأنها لم تُناسبْ معيارَ الاستمراريةِ والكمالِ؟ إنَّ الحياةَ ليست خطاً مستقيماً يُصعدُ للأعلى دائماً، بل هيَ منحنياتٌ ومنعطفاتٌ، صعودٌ وهبوطٌ، نورٌ وظلامٌ، وهذا هو جمالها، هذا هو واقعها الذي يجبُ أن نُدركَهُ.
إذاً، دعنا نتحرّرْ من هذا القيدِ الوهميِّ، دعنا نُعيدُ تعريفَ النجاحِ، لا كوجهةٍ نهائيةٍ، بل كرحلةٍ لا تتوقفُ عن إثراءِ الروحِ، فلنتعلمْ أن نستمتعَ بكلِّ خطوةٍ، أن نحتفلَ بكلِّ إنجازٍ صغيراً كانَ أم كبيراً، وأن نُتقبّلَ الفشلَ كجزءٍ لا يتجزأُ من عمليةِ النموِّ، حينها فقط، سنُدركُ أنَّ السعادةَ الحقيقيةَ تكمنُ في إنسانيتنا، لا في مطاردةِ سرابٍ لا نهايةَ لهُ.
تم نسخ الرابط





